رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

عبادة أم وجاهة اجتماعية

اﻟﺤﺞ ﺑﻴﻦ ﻗﺪﺳﻴﺔ اﻟﺸﻌﻴﺮة واﺳﺘﻌﺮاض اﻟﺮﻓﺎﻫﻴﺔ

بوابة الوفد الإلكترونية

علماء الدين: «تسليع الحج» وتحويل الشريعة المقدسة إلى سلعة يجرى التنافس عليها بالمظاهر الدعائية والاستعراضية 

الخبراء: المشاعر المقدسة تحولت إلى سباق لمظاهر البذخ 

الاستعراض الإعلامى للخدمات قد يتعارض مع المعانى الروحية للشعيرة

فوضى فى ملف الإشراف الدينى ببعض حملات الحج وضرورة التصدى لها 

التفاخر بالأطعمة والمشروبات يترك أثرًا نفسيًّا لدى غير القادرين على أداء الفريضة وحجاج البرامج الاقتصادية

الشيخ احمد ترك: استعراض الترف والتفاخر والرياء الاجتماعى والتباهى بالثراء سلوكيات مرفوضة شرعًا

باسل السيسى: التفاخر فى الحج تحت مسمى القدرة على السداد غير جائز شرعًا 

إيمان سامى: مطلوب تحقيق التوازن بين توفير الخدمة الجيدة والحفاظ على روحانية الحج 

وائل زعير: تسليط الضوء الإعلامى والدعاية المفرطة للتغطية على المشاكل التى تعرض لها الحجاج

إيهاب المليجى: مظاهر البذخ والإسراف أثرت بشكل واضح على روح الشعيرة المقدسة

أحمد عبدالجواد : المعيار ليس فى البذخ وحجم الخدمة بل فى احترام حقوق الآخرين

 

الحج ركن من أركان الإسلام وشعيرة عظيمة فرضها الله على من استطاع إليه سبيلًا، وهو رحلة إيمانية تقوم على التجرد من مظاهر الدنيا والمساواة بين المسلمين، حيث يقف الجميع فى المشاعر المقدسة بلباس واحد دون تمييز بين غنى وفقير أو صاحب منصب وعامل بسيط.

إلا أن موسم الحج هذا العام شهد حالة من الجدل بسبب ما اعتبره البعض مبالغة فى إبراز مظاهر الرفاهية والبذخ داخل بعض برامج الحج مرتفعة التكلفة، من خلال استعراض الوجبات الفاخرة والحلوى والمشروبات والخدمات المختلفة عبر الصور ومقاطع الفيديو المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعى، بما جعل البعض يتساءل عن الحدود الفاصلة بين تحسين الخدمة والبذخ.

ويرى منتقدو هذه الظاهرة أن التركيز على مظاهر الرفاهية والاستعراض الإعلامى للخدمات قد يتعارض مع المعانى الروحية للحج، كما قد يترك أثرًا لدى بعض المسلمين غير القادرين على أداء الفريضة أو لدى الحجاج الذين اختاروا البرامج الاقتصادية منخفضة التكلفة. وفى المقابل يؤكد آخرون أن تقديم خدمات متميزة للحجاج أمر مشروع طالما تم فى إطار احترام قدسية الشعيرة وعدم تحويلها إلى وسيلة للتفاخر أو التنافس الاجتماعى.

ومن هنا نفتح التحقيق للنقاش مع علماء الدين وخبراء السياحة الدينية للوقوف على الحدود الفاصلة بين تحسين الخدمات المقدمة للحجاج وبين المبالغة فى إظهار مظاهر الرفاهية، ومدى انعكاس ذلك على الصورة الحقيقية للحج باعتباره عبادة قبل أن يكون تجربة خدمية أو مناسبة لاستعراض مستويات الرفاهية.

وفى هذا السياق قال باسل السيسى، نائب رئيس غرفة السياحة سابقًا، الحج تحوّل عند   الناس من شعيرة تجرّد وافتقار إلى الله، إلى مناسبةٍ للاستعراض الطبقى. والغريب أن كثيرًا من هذا البذخ يُسوَّق تحت غطاء شرعى ظاهره سليم: «أنا مستطيع، وأنفق من حلال، فلا حرج عليّ».

وتابع… لكن هذا التبرير يخلط عمدًا بين الاستطاعة التى هى شرطُ وجوبٍ، والإسراف الذى هو سلوكٌ منهيٌّ عنه بنصٍّ صريح. فالاستطاعة رخصةٌ ترفع الحرج، لا رخصةٌ تبيح التبذير.

واشار نائب رئيس غرفة السياحة سابقًا إلى ان من أبرز مظاهر هذا البذخ ما يتم عرضه من منظمى الرحلات من باقات” فندقية فاخرة بإطلالةٍ على الحرم، تصل أسعارها إلى أرقام خيالية، بينما الفارق بينها وبين الإقامة المميزه لا علاقة له بأداء النسك، بل بالمكانة الاجتماعية. الأكثر خلافًا شرعيًا واستفزازا للحجاج هو ما يخصص لكل حاج من مساحة بمنى وعرفات والذى يفترض فيها المساواة بين الحجاج عكس ما يحدث من تخصيص مساحات لرفاهية بعض الحجاج من غرف وأجنحة خاصة وبوفيهات وجلسات تحت مسمى القدرة على سداد المقابل أمر غير جائز شرعا ويتحمل وزره ولى الأمر صاحب القرار، إضافة إلى الانشغال بتوثيق كل لحظة بالتصوير للنشر والمباهاة، حتى صار بعض الحجاج أكثر انشغالًا بالصورة اكثر من العمل والقصد هنا ليس دعوةً إلى التقشّف أو تحريم ما أحلّ الله؛ من وسّع الله عليه له أن يأخذ بأسباب الراحة المعقولة. أما ان يصبح الإنفاق غايةً فى ذاته، ووسيلةً للتفاخر، وحين يُنفق المال فى كمالياتٍ لا تزيد العبادة كمالًا، بل قد تنقصه. 

وتابع … فجوهر الحج المساواة وتذويبٌ للفوارق بدءا من رداء أبيض يستوى فيه الملك والفقير، وموقف واحد فى عرفة لا يُميَّز فيه غنيٌّ عن سواه. والبذخ يناقض هذا المقصد. إن لهذا السلوك بُعدًا اجتماعيًا لا يصح إغفاله، حيث يصبح تبديد عشرات الآلاف على ترفٍ زائد فى رحلة الحج موضع سؤال أخلاقى. فالمال الفائض عن الاستطاعة المعقولة كان يمكن أن توجهه إلى أبواب اعظم برًا.

وأضاف «السيسى» والأخطر فى ظاهرة البذخ حين يتحوّل الحج إلى منصّة عرض، يتسرّب الرياء إلى أخلص العبادات، ويُزاحم حبُّ الظهور إخلاصَ القلب. والعبادة تفقد روحها وإن صحّت صورتها.

وفى نهاية حديثه قال: الخلاصة أن “الاستطاعة” مفهومٌ شرعى أُريد به التيسير، وقد جرى الالتفاف عليه ليصبح ذريعة للترف. والهدف ليس مصادرة حق القادر، بل استعادة المعنى: حج يليق بمقام التجرّد، إنفاق بلا تبذير، وقلبٌ مشغول بالمناسك لا بالمظاهر.

وهنا يتبلور دور ولى الأمر فى هذا الشأن ممثلا فى وزارة السياحة ودورها فى توجيهه الشركات لإعداد برامج تحقق المقصد الشرعى وتلاقى رغبة المواطنين.

ومن جانبها أكدت إيمان سامى، رئيس لجنة السياحة الدينية بغرفة شركات السياحة سابقًا، أن توفير أعلى مستويات الراحة للحجاج أمر مطلوب وضرورى، خاصة أن الحاج يحتاج إلى بيئة مناسبة تساعده على أداء المناسك فى أجواء من الطمأنينة والسكينة، مشيرة إلى أهمية توفير أماكن إقامة مريحة ونظيفة، وحمامات مجهزة، وخدمات جيدة تضمن راحة الحجاج طوال فترة وجودهم فى المشاعر المقدسة.

وأضافت «سامى» قائلة: إن تحسين الخدمات وتطويرها يعد أمرًا إيجابيًا يخدم الحجاج ويساعدهم على التفرغ للعبادة، لكن يجب أن يظل الهدف الأساسى هو خدمة الشعيرة وتيسير أداء المناسك وليس الدخول فى دائرة التنافس والمبالغة.

وأوضحت رئيس لجنة السياحة الدينية سابقًا، أن الحاج جاء فى الأساس لأداء فريضة دينية عظيمة، لذلك ينبغى أن يحظى الجانب الروحى والإيمانى بالأولوية، من خلال توفير الأجواء المناسبة للذكر والعبادة والخشوع، بعيدًا عن كل ما قد يشغل الحاج عن الهدف الرئيسى من رحلته، وأن نجاح أى برنامج حج لا يقاس فقط بمستوى الرفاهية، وإنما بمدى قدرته على توفير المناخ المناسب للحاج كى يؤدى مناسكه بسهولة وراحة وتركيز.

وتابعت.. توفير الطعام الجيد للحجاج أمر مهم، لكن المبالغة فى أصناف الطعام داخل المشاعر المقدسة أمر غير مطلوب، خاصة أن طبيعة الحج تختلف عن الرحلات السياحية التقليدية.

وتابعت.. الحاج يحتاج إلى وجبات خفيفة ومناسبة تساعده على أداء المناسك، وليس إلى موائد ضخمة أو أصناف مبالغ فيها من الأطعمة التى قد تبتعد عن طبيعة الأجواء الإيمانية للحج.

وأشارت إلى أن بعض مظاهر الترف التى ظهرت خلال السنوات الأخيرة أصبحت تتجاوز حدود الخدمة المطلوبة إلى نوع من التفاخر والتنافس غير المبرر، مؤكدة أن الاعتدال يظل الخيار الأفضل للحفاظ على روح الشعيرة.

وأبدت «سامى» تحفظها على بعض مظاهر التصوير والدعاية التى أصبحت مصاحبة لبعض برامج الحج، مشيرة إلى أن تصوير المواقع والخدمات المقدمة للحجاج أمر طبيعى ومقبول، خاصة لإبراز مستوى التنظيم والخدمة.

وأضافت قائلة إن التصوير أثناء الطواف أو فى بعض اللحظات التعبدية التى تتطلب الخشوع والتركيز ينبغى أن يكون فى أضيق الحدود، حفاظًا على روحانية الشعيرة واحترامًا لقدسية المناسك.

وأكدت أن المطلوب هو تحقيق التوازن بين توفير الخدمة الجيدة للحجاج وبين الحفاظ على بساطة الحج وروحه الإيمانية، مشيرة إلى أن من حق الحاج أن يجد مكانًا نظيفًا ومريحًا وخدمات جيدة، لكن دون مبالغة فى الديكورات أو المظاهر التى قد تحول المشاعر المقدسة إلى ما يشبه المنتجعات أو قاعات الاحتفالات.

وشددت على أن تطوير الخدمات أمر مطلوب، لكن الأهم هو أن تظل رسالة الحج قائمة على العبادة والخشوع والمساواة بين الجميع.

وقال ايهاب المليجى، عضو الجمعية العمومية لغرفة السياحة، إن مظاهر البذخ والإسراف التى تسللت إلى بعض برامج الحج خلال السنوات الأخيرة أثرت بشكل واضح على روح الشعيرة ومقاصدها الأساسية، محملًا شركات السياحة جانبًا من المسئولية، فيما وصفه بتحويل الحج إلى ساحة للتنافس فى الرفاهية والخدمات الفاخرة بدلًا من التركيز على الجوانب الإيمانية والروحية للمناسك.

وأوضح «المليجى» أن التنافس بين الشركات على تقديم مستويات أعلى من الرفاهية، سواء فى الإقامة أو الإعاشة أو وسائل الانتقال أو الهدايا المقدمة للحجاج، أدى إلى ارتفاع تكلفة الحج بصورة كبيرة، وأصبح البعض يتعامل مع الرحلة باعتبارها تجربة فاخرة أكثر من كونها رحلة إيمانية تقوم على التواضع والتجرد والانشغال بالعبادة والذكر.

وتابع.. المشاهد التى تظهر الفوارق الكبيرة بين الحجاج داخل المشاعر المقدسة تثير تساؤلات عديدة حول هوية الحج ورسائله الأساسية، لافتًا إلى أن بعض الحجاج يقضون أيام المشاعر فى مساحات محدودة للغاية وبإمكانيات بسيطة، بينما يحصل آخرون على مساحات وخدمات استثنائية تتجاوز بكثير الاحتياجات الفعلية لأداء المناسك، رغم أن الجميع جاء لأداء الشعيرة نفسها وفى المكان نفسه.

وأشار إلى أن مظاهر التفاخر التى باتت تصاحب بعض برامج الحج، مثل المبالغة فى الولائم والخدمات الخاصة والاستعانة بطهاة متخصصين أو تقديم هدايا ومسابقات وتسهيلات إضافية مقابل رسوم مرتفعة، أسهمت فى تغيير الصورة الذهنية للحج لدى كثيرين، وأبعدت بعض البرامج عن فلسفة الحج القائمة على المساواة بين الناس والتجرد من مظاهر الدنيا، فالحج فى جوهره رحلة إيمانية تهدف إلى التقرب إلى الله تعالى وتعزيز قيم الصبر والتواضع والمساواة. 

 وشدد «المليجى» على ضرورة إعادة النظر فى بعض الممارسات التى قد تكرس الفوارق الاجتماعية داخل المشاعر المقدسة أو تحول الشعيرة إلى مجال للمباهاة والتنافس الاستهلاكى.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن نجاح تنظيم الحج وتطور الخدمات المقدمة للحجاج أمر مطلوب ومحمود، لكن من المهم الحفاظ فى الوقت نفسه على روح الشعيرة ورسالتها الأساسية، حتى يبقى الحج تجربة إيمانية خالصة تعكس مقاصد الإسلام وقيمه فى المساواة والتجرد.

فيما قال الدكتور وائل زعير، عضو الاتحاد المصرى للغرف السياحية، إن ما ظهر خلال موسم الحج من صور وفيديوهات لبوفيهات الطعام والخدمات الفاخرة خلق انطباعًا عامًا بوجود حالة من البذخ، مشيرًا إلى أن السبب الرئيسى فى ذلك هو تسليط الضوء الإعلامى والدعاية المفرطة لهذه المشاهد، بينما تظل وزارة السياحة بعيدة تمامًا عن برامج الحج الفاخر وآليات تنفيذها.

وأوضح أن شريحة الحج فئة الخمس نجوم تدفع ما يقرب من 560 ألف جنيه بخلاف تذكرة الطيران، وأن الوزارة لا تتدخل فى تفاصيل البرامج الفاخرة أو مستوى الخدمات المقدمة بها نظرًا لاختلاف طبيعتها عن باقى المستويات.

وأشار إلى أن الحديث عن البذخ فى مستوى الخمس نجوم لا يعكس حقيقة ما جرى على أرض الواقع، مؤكدًا أن هذه الفئة شهدت العديد من المشكلات الخدمية، من بينها تعطل بعض أجهزة التكييف فى أماكن الإقامة، وضعف مستوى الوجبات المقدمة للحجاج فى مشعرى منى وعرفة، فضلًا عن شكاوى متكررة تتعلق بنقص بعض المشروبات والخدمات الأساسية.

وأضاف أن مشاهد البوفيهات التى تم تداولها بشكل واسع ربما كان الهدف منها إظهار صورة إيجابية والتغطية على المشكلات التى واجهها عدد من الحجاج، مؤكدًا أن تقييم الخدمة يجب أن يستند إلى جودة الأداء الفعلى وليس إلى الصور الدعائية.

كما طالب بزيادة عدد المطوفين من أصحاب الخبرات الكبيرة فى التعامل مع السوق المصرى، خاصة فى برامج الخمس نجوم، بما يضمن تحسين مستوى الخدمة وتلافى المشكلات التى ظهرت هذا العام.

وأشار إلى أهمية إعادة النظر فى منظومة الشركات المنفذة للخدمات بالمشاعر المقدسة، مقترحًا ان يكون هناك استثناء للتعاقد مع أربع شركات خلال المواسم المقبلة، بحيث تتولى شركة خدمة حجاج وزارة الداخلية، وشركة أخرى لحجاج التضامن الاجتماعى، بينما تتولى شركتان خدمة حجاج السياحة، عددهم الأكبر بدلًا من الاعتماد على عدد محدود من الشركات كما حدث هذا الموسم.

وأوضح أن البذخ فى الحج يجب أن يخضع لمبدأ الاعتدال وعدم المبالغة، مؤكدًا أن بعض السلوكيات الفردية قد تعطى انطباعًا خاطئًا عن حجم الإنفاق أو الاستهلاك، خاصة مع تصوير كميات كبيرة من الطعام أو الخدمات بشكل متكرر.

وفيما يتعلق بأعداد الحجاج، أوضح أن حصة مصر تبلغ نحو 41 ألف تأشيرة، منها 37 ألف تأشيرة مخصصة لحجاج السياحة و4 آلاف تأشيرة للهيئات المختلفة. وأن جزءًا من حصة السياحة يخصص لباقات الحج المميزة ولمكررى الحج، فيما تتوزع الحصة الأساسية بين نحو 8 آلاف حاج لفئات الخمس نجوم والبرامج الفاخرة، و24 ألف حاج لفئات الحج الاقتصادى والبرى، وهو ما يعكس توجه الدولة نحو إتاحة الفرصة أمام محدودى الدخل والبسطاء لأداء الفريضة.

وأكد «زعير» أن الصورة التى تشكلت لدى الرأى العام بشأن البذخ فى الحج هذا العام كانت نتيجة الدعاية المفرطة والتركيز الإعلامى على مشاهد محددة، بينما تبقى الأولوية الحقيقية هى جودة الخدمات المقدمة للحجاج ومدى حصولهم عليها.

فيما قال احمد عبدالجواد، عضو الجمعية العمومية لغرفة السياحة، الحديث عن البذخ فى الحج ينبغى ألا يقتصر على نوعية الطعام أو مستوى الإعاشة فقط، وإنما يمتد أيضًا إلى المساحات والخدمات المخصصة للحجاج داخل المشاعر المقدسة.

وأوضح ان من اهم الاسباب للمشاكل التى شهدها موسم الحج هذا العام تخصيص مساحات كبيرة جدًا لبعض الحجاج قد تصل إلى عدة أمتار للفرد الواحد، فى حين يحصل آخرون على مساحات محدودة للغاية، الأمر الذى يثير تساؤلات حول العدالة فى توزيع الخدمات داخل بعض المخيمات.

وأكد «عبدالجواد» أنه لا يعارض من حيث المبدأ وجود مستويات مختلفة من الخدمات طالما أنها تتم بصورة قانونية وواضحة، وطالما أن الحاج يحصل على الخدمة التى دفع مقابلها دون أن يكون ذلك على حساب حقوق الآخرين.

وتابع.. إذا كان الحاج يطلب مستوى أعلى من الخدمة ويدفع تكلفتها كاملة وفق الضوابط المعتمدة، ودون أن ينتقص ذلك من حقوق أى حاج آخر، فلا توجد مشكلة فى ذلك، لأن لكل شخص حرية اختيار البرنامج الذى يناسبه وإمكاناته.

وأشار «عبدالجواد» إلى أن الأزمة الحقيقية تظهر عندما تلجأ بعض الجهات إلى وسائل أو ترتيبات تؤدى إلى التوسع فى مساحات أو خدمات بعض الحجاج على حساب حجاج آخرين، أو بما يخالف الضوابط المنظمة للمشاعر المقدسة.

وأكد أن أى تمييز ينتج عنه انتقاص من حق حاج آخر أو حرمانه من المساحة أو الخدمة المقررة له يعد أمرًا غير مقبول، سواء من الناحية التنظيمية أو الأخلاقية.

وأضاف أن من الطبيعى وجود برامج اقتصادية وأخرى مميزة وأخرى فاخرة، لكن يجب أن يكون ذلك وفق تنظيم واضح وعادل، لافتًا إلى أن وجود فروق كبيرة جدًا بين الحجاج داخل المعسكر الواحد قد يخلق حالة من الاستياء لدى البعض، خاصة عندما يشعر الحاج بأن هناك من حصل على مزايا إضافية على حساب حقوقه أو راحته.

وأكد «عبدالجواد» أن مثل هذه المشاهد قد تترك أثرًا سلبيًا لدى الحجاج، خصوصًا أن الحج فى جوهره يقوم على قيم المساواة والتجرد ووحدة الشعور بين المسلمين.

ودعا «عبدالجواد» إلى ضرورة مراجعة بعض الممارسات المرتبطة بتوزيع المساحات والخدمات داخل المشاعر المقدسة، والتأكد من التزام جميع الجهات بالضوابط المعتمدة، بما يضمن حصول كل حاج على حقوقه كاملة دون تمييز أو انتقاص، وأن تطوير الخدمات وتحسين مستوى الراحة أمر مطلوب، لكن يجب أن يتم فى إطار من العدالة والشفافية واحترام حقوق جميع الحجاج.

واكد أن القضية لا تتعلق برفض الحج الفاخر أو الخدمات المميزة فى حد ذاتها، وإنما برفض أى تجاوز قد يؤدى إلى المساس بحقوق الآخرين أو خلق فروق غير مبررة داخل المشاعر المقدسة، مشددًا على أن الحفاظ على العدالة بين الحجاج يجب أن يظل من المبادئ الأساسية التى لا يجوز التهاون فيها.

وبعد عرض آراء خبراء السياحة الدينية ورؤيتهم لمظاهر البذخ التى كانت اهم مظاهر الحج هذا العام والتى تناولتها وسائل التواصل الاجتماعى، كان من الضرورى معرفة رؤية علماء الدين.

قال فضيلة الشيخ أحمد تركى أحد علماء الأزهر الشريف، وعضو مجلس الشيوخ، امين سر لجنة الشئون الدينية، هناك قيم حاكمة لحياة المسلم فى الحج وغير الحج، وأن الشريعة الإسلامية أرست منهجًا متوازنًا يقوم على الاعتدال بعيدًا عن البخل والإسراف، مستشهدًا بقول الله تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ»، وقوله سبحانه: «وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا».

وأوضح أن المسلم مهما بلغ من الثراء فإن عليه الالتزام بالتوجيهات الربانية التى تضبط الإنفاق والتصرف فى النعم، مشيرًا إلى ما ورد فى قصة قارون بسورة القصص حين قال له قومه: «لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ»، موضحًا أن المقصود ليس الفرح المشروع، وإنما التباهى والغرور والرياء الاجتماعى والتفاخر على الناس.

وأضاف أن الرياء الاجتماعى من السلوكيات المرفوضة شرعًا، فلا يجوز للإنسان أن يتباهى بطعامه أو شرابه أو سيارته أو هاتفه أو أى مظهر من مظاهر الثراء بقصد إشعار الآخرين بأنه أفضل منهم أو أرفع مكانة، مؤكدًا أن الإسلام يدعو إلى التواضع وشكر النعمة لا إلى استعراضها أمام الناس.

وأشار إلى أن الله سبحانه وتعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، لكن فى إطار الاعتدال واستخدام النعمة فيما ينفع الناس ويحقق الخير، مستشهدًا بقوله تعالى: «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ».

وأكد أن الحج شعيرة ربانية تذكر الإنسان بالآخرة قبل الدنيا، وأن الأصل فيها تعظيم الشعائر واستحضار المعانى الإيمانية والروحية، لافتًا إلى أنه لا مانع من الاستفادة من وسائل الراحة الحديثة أو الخدمات المتطورة أو التقنيات الجديدة، طالما بقيت فى إطار القيم الشرعية ولم تتحول إلى وسيلة للتفاخر والاستعراض.

وقال إن المشكلة التى بدأت تتفاقم خلال السنوات الأخيرة تتمثل فى «تسليع الحج»، أى تحويل هذه الشعيرة المقدسة من عبادة مرتبطة بالاستطاعة والقيم الروحية إلى سلعة يجرى التنافس عليها من خلال المظاهر الدعائية والاستعراضية، وهو أمر يبتعد عن فلسفة الحج ومقاصده الأساسية.

وأضاف أن بعض الشركات تركز فى دعايتها على تصوير موائد الطعام الفاخرة وأصناف المأكولات مرتفعة الثمن، بما فى ذلك الكاجو والمأكولات البحرية وغيرها، وكأن هذه الأمور هى المعيار الحقيقى لنجاح الرحلة، بينما الأصل أن يكون التركيز على جودة الخدمة وحسن التنظيم ومساعدة الحاج على أداء المناسك فى أجواء من الطمأنينة والخشوع.

وأوضح أنه لا مانع من إبلاغ الحاج بمستوى الخدمة أو الإقامة أو وسائل الراحة المتاحة، لكن غير المقبول أن يتحول الأمر إلى استعراض للترف أو التفاخر الاجتماعى، لأن ذلك يفرغ الشعيرة من مضمونها الإيمانى ويجعل المظاهر الدنيوية تتصدر المشهد على حساب المعانى الروحية.

كما انتقد بعض المظاهر المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعى، ومنها تصوير مقاطع متكررة أمام الكعبة المشرفة أو أثناء المناسك بصورة يغلب عليها الاستعراض والسعى إلى لفت الانتباه، مؤكدًا أن الحاج ينبغى أن ينشغل بالعبادة واستثمار هذه اللحظات العظيمة فيما يقربه إلى الله، لا فى صناعة محتوى قائم على التفاخر أو البحث عن الإعجابات والمتابعات.

وشدد على أن القدوة فى ذلك هى سيرة النبى صلى الله عليه وسلم الذى عاش متواضعًا، وكان يحرص على عدم التميز عن الناس أو مزاحمتهم، مؤكدًا أن الحج مدرسة عملية فى المساواة والتجرد والتواضع.

وفى سياق آخر، حذر العالم الأزهرى من الفوضى التى يشهدها ملف الإشراف الدينى ببعض حملات الحج، مؤكدًا أن الفتوى والوعظ الدينى ينبغى ألا يتصدى لهما إلا المتخصصون الحاصلون على التصاريح والاعتمادات الرسمية من المؤسسات الدينية المعنية.

وأشار إلى أن الاستعانة بأشخاص غير مؤهلين علميًا للقيام بالإرشاد الدينى تؤدى إلى تضارب الفتاوى وإثارة البلبلة بين الحجاج، مطالبًا بوضع ضوابط صارمة تضمن أن يكون المشرفون الدينيون من المعتمدين لدى الأزهر الشريف أو دار الإفتاء المصرية.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن نجاح الحج لا يقاس بحجم الإنفاق أو مستوى الرفاهية، وإنما بمدى تحقق مقاصده الإيمانية والروحية وما يتركه من أثر فى سلوك الحاج وأخلاقه.