في صدر شبابي الصحفي، كان ملف "الأوقاف الأهلية" واحداً من أهم الملفات التي اشتغلت عليها. وأفخر اليوم بما أنجزته فيه من تحقيقات استقصائية وصفت وقتها بالجريئة، ووصلت نتائجها إلى حد القبض على عدد من عتاة النصابين ومحاكمتهم وحبسهم.
وعلى الرغم من مرور أكثر من عقدين من الزمان، إلا أن ذاكرتي ما زالت تحتفظ بكل التفاصيل والمغامرات: ألاعيب النصابين، دموع الضحايا، وأحلام الفقراء والمعدمين الذين يسعون لاسترداد إرث أجدادهم "الأهلي" (وهو ما يختلف تماماً عن الوقف "الخيري" الذي تديره وزارة الأوقاف).
ولكم أن تتصوروا حال هؤلاء الغلابة المستحقين؛ أراضٍ وعقارات مسلوبة من قِبل "غير مستحقين" لا تذكرهم الحجج الأصلية، أو أوقاف مهملة تحولت مع الزمن إلى خرابات يمر عليها أصحابها الحقيقيون ويمصمصون شفاههم حسرة على حالهم. لقد قابلت الكثير منهم؛ أنفقوا أموالاً طائلة وسنوات من أعمارهم في ردهات المحاكم ودون جدوى.
وتشهد "لجنة قسمة الأوقاف الأهلية" (وهي اللجنة الحكومية المسؤولة عن فرز وتقسيم أموال الوقف بين الورثة وفقاً للقوانين المنظمة) على آلاف الحكايات والنزاعات التي تقترب من الأساطير بين المحامين والورثة، حتى تصل لـ "لجنة الاعتراضات" للتصديق النهائي.
الأمر ليس هيناً، فنحن نتحدث عن مئات القضايا لعشرات الأوقاف الشهيرة المذكورة في الحجج التاريخية، مثل أوقاف: (جوربجي، وزينب خاتون، والخراشي، والعباسيين، وأبو الشوارب، وحسين الجزائرلي، وعائشة المشهدية، وحسن كتخدا، وسيد الجندي، وجابر الأنصاري، وبمبه قادن).. وغيرهم من الأمراء والأشراف. ملف ضخم ومعقد، لكن حله ليس مستحيلاً.
على هذه الخلفية، ننتقل مباشرة إلى اللقاء الأسبوعي الذي عقده د. مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، نهاية الأسبوع الماضى مع الصحفيين، وخلال اللقاء سألت الزميلة نشوى مصطفى، نائب رئيس تحرير مجلة "أكتوبر"، سيادته سؤالاً قدمته بالإشارة إلى اهتمام سيادة الرئيس السيسى بحصر ورقمنة الأوقاف "الخيرية" ثم أردفت نصياً:
"هل تدرس الحكومة وضع آلية أو تشريع لحصر الأوقاف الأهلية وحمايتها من التعدي، بما يضمن تعظيم الاستفادة منها، وأن يعود ذلك بالنفع على الجهات الموقوف عليها؟ أم أن الأوقاف يحكمها قانونها الخاص، ولا توجد حاجة لتعديل وتشريع جديد؟"
دولة رئيس الوزراء فهم أن الزميلة تسأل عن حصر ورقمنة الأوقاف "الخيرية"، ولم ينتبه لقولها "الأوقاف الأهلية". وله في ذلك بعض الحق؛ لأن الحكومة فعلياً ليست لها ولاية مباشرة على الوقف الأهلي، فالنزاع فيه يكون بين أشخاص حقيقيين أو اعتباريين.
إذن.. ماذا كانت تريد الزميلة؟
أنا هنا لا رجم بالغيب، بل أنطلق من حديث طويل دار بيني وبين الزميلة نشوى الأسبوع الماضي، عندما قررت فتح هذا الملف وعادت إليّ بصفتي المهنية السابقة وخبرتي الطويلة فيه.
نشوى كانت تريد أن تقول لرئيس الوزراء: إن الدولة يجب أن تتدخل بقوة وثقل لإنهاء وتصفية هذا الصداع المزمن المسمى "الأوقاف الأهلية"، حتى لو تطلب الأمر إصدار "تشريع أو قانون لفترة انتقالية"، يتضمن ثلاث خطوات حاسمة:
حصر شامل كامل لكل الأوقاف الأهلية في مصر.
توفير عدد كافٍ من الخبراء والقانونيين للفصل السريع في المنازعات، وتقنين أوضاع الطرفين (المستحق الحقيقي، والمستولي على الوقف).
تحديد سقف زمني لحصر المستحقين وإعلامهم بكل الطرق التكنولوجية المتاحة الآن، ثم إغلاق هذا الملف القادم من العصور الوسطى نهائياً.
الملف على طاولة الحكومة، والحلول واضحة.. ويبقى السؤال المطروح: هل تملك الحكومة الشجاعة الكافية لاتخاذ هذا القرار وإنهاء مأساة الغلابة؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض