التربية ومواجهة خطاب الكراهية: استراتيجيات لبناء قيم التسامح والتعايش السلمي
تمثل ظاهرة خطاب الكراهية إحدى الإشكاليات الهامة التي تهتم بمواجهتها المجتمعات والمنظمات الدولية والمؤسسات الحكومية وهيئات المجتمع المدني في القرن الحادي والعشرين، إذ يتزايد تصديـر خطاب الكراهية الذي يمارس التمييز وينكر حق الاختلاف ويرفض الآخر، ويعمل علـى نفيـه واسـتبعاده ، بما يمكن أن يضر بأمن وسلامة واستقرار الأفراد والمجتمعات ، لأنها تمهد الطريق للصراعات والنزاعات وانتهاكات حقوق الإنسان.
ويتضمن خطاب الكراهية كافة التعبيرات أو أي نوع من التواصل سواء (كلام، كتابة، سلوك، رسوم) يهاجم، أو يحرض على الإيذاء أو التمييز أو العدائية أو العنف ضد فرد أو مجموعة بناءً على صفات الهوية مثل الدين، العرق، الجنس، أو العمر أو الإعاقة.
ووفقاً للأمم المتحدة فإن خطاب الكراهية هو تعبير يهاجم أو يستخدم لغة تمييزية على أساس الدين، العرق، الجنسية، اللون، أو الأصل.
والمتابع لحالـة الحـوار بيـن النـاس بعضهـم بعضـًا، وفي بعض وسـائل الإعلام المختلفة وفـي غيرهـا مـن شـبكات التواصـل الاجتماعـي، يكتشف تصديـر خطاب الكراهية مـن حيـث الإسـاءة لبعض الرمـوز الدينيـة أو توجيـه النقـد للعقائـد أو الإسـاءة لمختلفــي الثقافــة أو المختلفيــن فــي الدين ، أو النــوع، أو اللــون، أو التوجهــات الفكريــة والسياســية والانتمـاءات المختلفة.
إن تصاعد موجة خطابات الكراهية والعنصرية والتمييز، هو إنكار لقيم التسامح والاختلاف والتنوع والاندماج والتعايش السلمي وجوهر معايير ومبادئ حقوق الإنسان، ولخطورة انتشار ظاهرة خطابات الكراهية ، فإن هناك حاجة ماسة للتصدي لكافة خطابات الكراهية والتمييز، والعمل على نشر قيم التسامح والتعايش الإنساني والحوار، فالإنسان أيا كان لونه أو سمته أو دينه أو معتقده أو لغته يجب أن ينظر بعقله وقلبه إلى الآخر الذى يسكن معه هذه العالم ، حيث أصبح من المعقول والمقبول أن يعيش الناس معًا في سلام ومحبة وود واحترام وتعاون في ظل وجود قيم إنسانية مشتركة.
وفي ظل تزايد الاهتمام من قبل القيادة العليا للدولة المصرية بأهمية التصدي لخطاب الكراهية، ورفع مستوى الوعي بالقيم الإنسانية المشتركة بين الشعوب، وتعزيز التعاون والحوار لفهم وتقبل الآخر، ونبذ التعصب ونشر قيم التسامح من أجل تحقيق السلام والاستقرار تتأكد اهمية ضرورة مكافحة خطابات الكراهية وبصفة خاصة من خلال التعليم، وذلك باعتبار التعليم أداة وقائية فعالة تمكن من التصدي لخطاب الكراهية ومكافحته، حيث يسهم في غرس قيم احترام التنوع، والتعايش السلمي، والتفكير النقدي لدى الأجيال الناشئة.
هدف المؤسسات التعليمية
إن هدف المؤسسات التعليمية لم يعد تخريج الطالب المتفوق دراسيًا فقط، بل أصبح أيضًا تخريج المواطن الصالح، وتنشئة شخصية وطنية قوية مستقلة مسئولة واعية ، فالمؤسسات التعليمية ليست مجرد مؤسسة لنقل المعارف إلى الطلاب، بل مؤسسة وطنية نهضوية يقع العبء الأكبر عليها في بناء شخصية المواطن بوصفها جوهر الدولة، وأساس الأمن القومي.
لذا لمواجهة خطابات الكراهية لا بد وأن تعمل المؤسسات التعليمية على تعزيز الأخلاق والقيم الإنسانية المشتركة بين الشعوب، وتنمية مهارات الطلاب حول عمليات التفكير النقدي والعلمي ومهارات الحوار العقلاني وتعزيز قيم احترام التنوع الديني والثقافي ، والتعايش السلمي ، بحيث يصبح الحوار البناء والنقدي الداعم للقيم الإنسانية ولثقافة السلام وقبول الآخر، واحترام التنوع الثقافي، وتقدير قيم العلم والعمل، والمبادرة إلى التعاون هو جوهر رسالة المؤسسات التعليمية التي يتحتم عليها أن تنهض بها في عالم متعدد الثقافات وسريع التغير.
واخيرا لا بد من الوعي بأن مواجهة خطابات الكراهية وتعزيز القيم الإنسانية في المجتمعات ليس مسؤولية مؤسسة بعينها، بل هو مشروع مجتمعي متكامل يستلزم تضافر كافة جهود الدولة والمجتمع على مستوى الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية والسياسية والتشريعية، بإيجاد روح إنسانية مسالمة ومحبة لبناء مجتمع مسالم متحضر، ويقع على المؤسسات التعليمية الدور الأكبر في مواجهة خطابات الكراهية وتعزيز القيم الإنسانية.
بقلم الدكتور محمد الماظ - أستاذ أصول التربية المساعد كلية الدراسات العليا للتربية جامعة القاهرة
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض