رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كبسولة فلسفية

هناك لحظة غريبة يكتشف فيها الإنسان أن الحياة لم تكن يومًا في الأحداث الكبيرة كما ظن، بل في تلك التفاصيل الصغيرة التي تمر أمامه بلا إعلان. كل شيء يلمس روحك حقًا لا يرفع صوته، بل يقترب بهدوء، كأن المعنى الحقيقي يخاف أن يُرى إلا لمن يستحقه، يا صديقي. نحن نقضي أعمارًا نطارد ما نظنه الأهم: النجاح، والإنجاز، والاعتراف، واللحظة التي ستقلب الدنيا. لكننا نكبر ونكتشف أن أجمل ما حدث لنا كان مخفيًا في أبسط الأشياء: كلمة صادقة جاءت في توقيت صعب، ابتسامة أعادت لنا إيمانًا كدنا نفقده، ولحظة صمت فهمنا فيها أنفسنا أخيرًا.

التفاصيل الصغيرة ليست مجرد تفاصيل، إنها الذاكرة التي لا تنطفئ. قد يمضي يوم كامل بلا شيء يذكر، ثم يحدث شيء بسيط كفيل بأن يغير مزاجك كله: رائحة قهوة تشبه صباحًا قديمًا، أغنية تعيدك إلى نسخة نقية منك، رسالة قصيرة تقول: كنت فاكرك. المعنى الذي تبحث عنه لا يأتيك في احتفال كبير، بل يتسلل في لحظة صادقة لا تتكرر، يا عزيزي. والإنسان الذي يتقن رؤية التفاصيل يصبح أقرب إلى نفسه، لأنه يبدأ يسمع الأصوات التي كان يمر بجانبها دون انتباه.

يبدأ يفهم أن قيمة الحياة ليست في ضجيجها، بل في تلك اللحظات التي لا يلاحظها إلا شخص تعلم أن يعيش بوعي لا بعجلة. الحياة لا تقاس بحجم ما نملكه، بل بحجم ما نشعر به. والمفارقة أن التفاصيل الصغيرة تكشف حقيقتنا أكثر مما تفعل الأحداث الكبرى. طريقة ضحكتك، طريقة صمتك، كيف تتصرف حين تتوتر، كيف تحب، كيف تخاف، كيف تشتاق... هذه الأشياء الصغيرة ترسم ملامحك الحقيقية. إنك لست مجموع إنجازاتك، بل مجموع لحظاتك الداخلية، صديقي القارئ.

أما الحقيقة الأعمق، نحن لا نتذكر الأيام، بل نتذكر اللحظات. ولا نتعلق بالسنوات، بل ببضع ثوانٍ غيرت كل شيء. وربما لهذا يمر العمر سريعًا... بينما تبقى لحظة واحدة خالدة إلى الأبد. لكن إذا كانت لحظة صغيرة قادرة على أن تعيش فينا كل هذا الزمن... فكم من أشياء قديمة ما زالت تسكننا ونحن لا ننتبه؟ هذا الباب سنفتحه معًا في الكبسولة الفلسفية القادمة.

*****************************

كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط

[email protected]