خبراء يحذرون من تآكل القاعدة الإنتاجية:
العقار يبتلع الاستثمارات.. والصناعة تبحث عن «طوق نجاة»
«حنفى»: العقار ليس عدوًا للإنتاج.. و90 صناعة تستفيد من التوسع العمرانى
ارتفاع تكاليف التشغيل والأراضى الصناعية وراء تعثر بعض المصانع
«المهدى»: الدولة أصبحت اللاعب الأكبر فى السوق.. وارتفاع أسعار الأراضى دفع الوحدات لمستويات قياسية
«عبدالمطلب»: الحكومة تراهن على العقار باعتباره «قاطرة التنمية».. والصناعة والزراعة جاءتا فى مرتبة لاحقة
«عيد»: نجاح الاقتصاد المصرى مرهون بتحقيق التوازن بين «البناء» و«الإنتاج»
فى السنوات الأخيرة، تغيّر المشهد الاقتصادى فى مصر بصورة لافتة، حيث أصبحت رافعات البناء حاضرة فى مختلف الاتجاهات، فيما تتوسع المدن الجديدة بوتيرة غير مسبوقة، وتتصدر الإعلانات العقارية المشهد الإعلامى، بينما تراجعت أصوات المصانع وخطط التوسع الصناعى إلى الصفوف الخلفية. وباتت مشروعات الإسكان الفاخر والمتوسط، و«الكمبوندات» المغلقة، والمولات التجارية، تمثل العنوان الأبرز للاستثمار الحكومى والخاص، فى وقت يشكو فيه المصنعون من ارتفاع تكلفة الإنتاج، وصعوبة التمويل، وتراجع القدرة التنافسية للصناعة المحلية.
هذا التحول يطرح تساؤلات واسعة حول طبيعة الأولويات الاقتصادية، وما إذا كان العقار قد أصبح «الملاذ الاقتصادى» الأسهل للدولة والقطاع الخاص، وهل جاء ذلك على حساب الصناعة والإنتاج الحقيقي؟ كما يثير تساؤلًا أكثر عمقًا يتعلق بقدرة اقتصاد يقوده البناء والعقار على تحقيق تنمية مستدامة دون وجود قاعدة صناعية قوية قادرة على دعم الإنتاج والتصدير، خاصة أنه منذ عام 2014، تبنت الدولة المصرية رؤية توسعية كبرى فى قطاع التشييد والبناء، باعتباره أحد المحركات السريعة للنمو الاقتصادى وتوفير فرص العمل.
وتشير التقديرات إلى تنفيذ عشرات المدن الجديدة وملايين الوحدات السكنية باستثمارات ضخمة شاركت فيها الدولة والقطاع الخاص، ما جعل القطاع العقارى واحدًا من أكبر القطاعات جذبًا للسيولة والاستثمارات خلال السنوات الأخيرة. إذ دخلت كبرى الشركات فى سباق محموم على الأراضى والمشروعات السكنية والتجارية، مدفوعة بارتفاع الطلب على العقارات باعتبارها «مخزن قيمة» فى ظل التضخم وتراجع قيمة العملة.

أكد محمد حنفى، المدير التنفيذى لغرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات، أن الاستثمار فى العقارات لا يمثل بالضرورة تراجعًا لدور الصناعة أو تهديدًا للإنتاج المحلى، مشددًا على أن القطاع العقارى يرتبط بشكل مباشر بعشرات الصناعات المصرية، ويعمل على تحريك عجلة الإنتاج فى عدد كبير من المصانع المحلية.
وقال حنفى، فى تصريحات خاصة لـ«الوفد»، إن فرص الاستثمار أمام الأفراد تتركز بصورة رئيسية فى ثلاثة مجالات أساسية، تشمل العقارات، والذهب، والأوراق المالية، موضحًا أن هذه الأدوات تمثل الملاذات التقليدية لحفظ القيمة وتحقيق العائد، خاصة فى ظل التغيرات الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم.
وأضاف أن طبيعة الاستثمار تختلف بالنسبة للشركات، إذ تعتمد بشكل أساسى على الاستثمار فى المصانع أو المشروعات العقارية، سواء بغرض الاستخدام السكنى أو التجارى، لافتًا إلى أن القطاع العقارى يظل أحد القطاعات الجاذبة لرؤوس الأموال، لكنه يحتاج إلى رؤية تشغيلية حقيقية حتى يحقق جدوى اقتصادية مستدامة.
وأوضح المدير التنفيذى لغرفة الصناعات المعدنية أن الاستثمار العقارى يجب ألا يقتصر على فكرة إعادة البيع أو المضاربة فقط، مؤكدًا أن السوق يشهد بالفعل انتشارًا واسعًا لهذا النمط من التجارة، وهو ما قد يقلل من جدوى الاستثمار على المدى الطويل. وأشار إلى أن النجاح الحقيقى فى القطاع العقارى يرتبط بقدرة المستثمر على استغلال الوحدة العقارية وتشغيلها وتحقيق قيمة مضافة منها، سواء من خلال النشاط التجارى أو الإدارى أو السكنى.
وأشار حنفى إلى أن التوسع فى الاستثمار العقارى لا يعنى بالضرورة الابتعاد عن الصناعة، بل على العكس، فإن العقار يمثل محركًا رئيسيًا لعشرات القطاعات الصناعية المرتبطة به. وكشف أن العقار ترتبط به 90 صناعة، تشمل الأخشاب، والزجاج، ومواد البناء، والحديد، والأسلاك، والكابلات، والدهانات، وغيرها من مستلزمات التشييد والتشطيب.
وأكد أن هذه الصناعات تعتمد على شبكة واسعة من المصانع والعمالة، ما يعنى أن أى توسع فى المشروعات العقارية ينعكس بصورة مباشرة على زيادة معدلات التشغيل والإنتاج داخل المصانع، وبالتالى دعم الاقتصاد المحلى وتقليل الاعتماد على الاستيراد فى عدد كبير من المنتجات.
وأضاف أن غالبية مستلزمات المشروعات السكنية والتجارية يتم تصنيعها محليًا داخل المصانع، وهو ما يعزز من أهمية القطاع العقارى باعتباره أحد المحركات الرئيسية للصناعة الوطنية. وأوضح أن بعض المشروعات ذات الطابع الخاص، مثل الأبراج الضخمة والمنشآت الفندقية الكبرى، قد تحتاج إلى مواصفات إنشائية أو تجهيزات فنية يتم استيراد جزء من مدخلاتها من الخارج، إلا أن القاعدة الأساسية لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على المنتج المحلى.
وفى المقابل، أشار حنفى إلى أن القطاع الصناعى يواجه مجموعة من التحديات غير المباشرة التى تؤثر على قدرته الإنتاجية والتنافسية، موضحًا أن من أبرز هذه التحديات ارتفاع تكلفة العمالة، وزيادة أسعار الأراضى، إلى جانب الأعباء التشغيلية التى تتحملها المصانع، وهو ما تسبب فى تعثر بعض المصانع أو توقفها عن العمل خلال الفترات الأخيرة.
ولفت إلى أن هناك صناعات استراتيجية لا تزال غير متوافرة بشكل كافٍ داخل السوق المصرية، منها: إنتاج «الألومنيوم فويل» والمواسير غير الملحومة، والتى يتم استيرادها من الخارج، رغم إمكانية توطينها محليًا إذا توافرت الحوافز والاستثمارات اللازمة.
وشدد المدير التنفيذى لغرفة الصناعات المعدنية على أهمية توجيه مزيد من الاهتمام نحو الصناعات التى تمتلك فرصًا حقيقية للإحلال محل الواردات، مؤكدًا أن دعم هذه القطاعات يمكن أن يساهم فى تخفيف الضغط على العملة الأجنبية وتقليل فاتورة الاستيراد، إلى جانب تعزيز القدرة الإنتاجية للاقتصاد المصرى.

وأوضح المهندس خالد المهدى، خبير تقييم العقارات، ان السوق العقارية أصبحت فى يد الدولة بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، بعد التوسع فى تنفيذ مشروعات البنية الأساسية والمدن الجديدة والوحدات السكنية، مشيرًا إلى أن هذا التوسع وضع الحكومة فى منافسة مباشرة مع القطاع الخاص.
وأضاف «المهدى» أن الدولة نفذت حجمًا ضخمًا من مشروعات البنية التحتية والإسكان، ما منحها القدرة على التأثير المباشر فى حركة السوق وتسعير الوحدات السكنية والعقارية، لافتًا إلى أن دخول الدولة كمنافس رئيسى أسهم فى رفع مستويات الأسعار بصورة ملحوظة خلال الفترة الأخيرة.
وأضاف، فى حديثه لـ«الوفد»، أن الحكومة تعلن من وقت لآخر عن خطط لإنشاء عدد كبير من المصانع ودعم القطاع الصناعى، لكنها فى المقابل تمنح اهتمامًا أكبر للقطاع العقارى والتوسع العمرانى، وهو ما انعكس على طبيعة الاستثمارات داخل السوق المصرية، ودفع كثيرًا من رؤوس الأموال إلى التوجه نحو العقارات بدلًا من الصناعة والإنتاج.
وأشار إلى أن حجم المنافسة الحكومية داخل السوق العقارية لم يترك مساحة كافية للمطورين العقاريين فى القطاع الخاص، خاصة مع ارتفاع أسعار الأراضى وتكاليف التطوير، مؤكدًا أن أقل وحدة سكنية فى بعض المناطق أصبحت تقترب من 5 ملايين جنيه، وهو ما يعكس القفزات الكبيرة فى أسعار العقارات خلال السنوات الماضية.
وأكد المهدى أن أحد الأسباب الرئيسية وراء ارتفاع أسعار الوحدات يتمثل فى سياسة تسعير الأراضى، موضحًا أن الدولة تطرح الأراضى بأسعار مرتفعة، بينما كان من المفترض أن يتم تسعيرها بناءً على تكلفة المرافق وإضافة هامش ربح بسيط، بما يسهم فى توفير وحدات بأسعار أكثر توازنًا وقدرة على الوصول إلى شريحة أكبر من المواطنين.
وتابع أن الحكومة تطرح عشرات الآلاف من الوحدات السكنية بصورة مستمرة، وهو ما يحقق لها عوائد ومكاسب كبيرة باعتبارها المطور الأكبر داخل السوق، لافتًا إلى أن الطروحات الحكومية الضخمة عززت من هيمنة الدولة على القطاع العقارى مقارنة بالقطاع الخاص.
وأشار خبير تقييم العقارات إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الأراضى ينعكس بصورة مباشرة على أسعار الوحدات النهائية، فى ظل تحميل المطورين العقاريين تكلفة الأرض والمرافق والإنشاءات على المستهلك النهائى، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين أسعار العقارات ومستويات دخول المواطنين.
وشدد «المهدى» على أهمية تحقيق توازن أكبر داخل السوق العقارية، سواء من خلال إعادة النظر فى آليات تسعير الأراضى، أو منح القطاع الخاص مساحة أوسع للتطوير، بما يسهم فى خلق سوق أكثر تنافسية، ويحد من الارتفاعات المتتالية فى أسعار الوحدات السكنية.

أولويات الحكومة
على جانب آخر أشار الدكتور عبدالنبى عبدالمطلب، الخبير الاقتصادى، إلى أن توجه الدولة نحو التوسع فى الاستثمار العقارى لم يكن وليد اللحظة، بل يمثل أحد المحاور الرئيسية فى أولويات الحكومة منذ سنوات، مشيرًا إلى أن استراتيجية التوسع العمرانى والإسكان جاءت باعتبارها مدخلًا لتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة.
وأوضح «عبدالمطلب»، فى حديثه لـ «الوفد»، أن الدولة تبنت منذ عام 2015 رؤية واضحة تقوم على توفير وحدة سكنية لكل من يتقدم للحصول عليها، فى إطار المبادرات القومية للإسكان، وهو ما عكس – بحسب وصفه – قناعة حكومية بأن التوسع فى إنشاء المدن والمجتمعات العمرانية يمكن أن يقود معدلات النمو الاقتصادى خلال المرحلة الحالية.
وأضاف أن الحكومة ترى فى الاستثمار العقارى “قاطرة للتنمية”، نظرًا لما يرتبط به من تحفيز عشرات الصناعات والأنشطة الاقتصادية الأخرى، مثل الحديد والأسمنت والبنية التحتية والطاقة والخدمات اللوجستية، مؤكدًا أن هذا التوجه يفسر الزيادة المستمرة فى حجم الاستثمارات العقارية والمشروعات العمرانية الجديدة.
وأشار إلى أن الاهتمام بقطاعات الصناعة التحويلية أو الصناعات الاستخراجية وتعظيم القيمة المضافة للزراعة جاء فى مرتبة لاحقة ضمن أولويات التنمية، مقابل التركيز الأكبر على ملف الإسكان والتوسع العمرانى.
وشدد «عبدالمطلب» على أن الدولة تراهن على أن زيادة الرقعة المأهولة بالسكان ستسهم فى تقليل التكدس والازدحام، وخلق بيئة أكثر ملاءمة للتنمية الاقتصادية، إلى جانب جذب مزيد من الخدمات والاستثمارات والسياحة، بما يدعم النمو ويرفع مستويات الدخل القومى.

تحديات
وقال حسام عيد، خبير اقتصادى، إن المشهد الاقتصادى فى مصر لا يمكن اعتباره مجرد تراجع عن التصنيع لصالح العقارات، بل هو مزيج من الضرورات الاستراتيجية والتحديات الهيكلية التى تمر بها الدولة خلال مرحلة انتقالية تحمل فرصًا ومخاطر فى الوقت نفسه.
وأوضح فى حديثه لـ«الوفد»، أن التوسع فى المدن الجديدة والعقارات جاء مدفوعًا بالزيادة السكانية التى تجاوزت 110 ملايين نسمة، إلى جانب التكدس داخل وادى النيل والقاهرة الكبرى، مشيرًا إلى أن مشروعات مثل العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة والجلالة تمثل جزءًا من استراتيجية إعادة توزيع السكان وخلق مراكز حضرية حديثة قادرة على جذب الاستثمارات وتحفيز النشاط الاقتصادى.
وأضاف أن القطاع العقارى يتمتع بجاذبية كبيرة بسبب قدرته على تحقيق عوائد سريعة وتوفير سيولة مرتفعة، خاصة مع توسع الاستثمارات العربية والخليجية، فضلًا عن مساهمته فى تحريك قطاعات مرتبطة مثل مواد البناء والنقل والخدمات، إلى جانب توفير ملايين الوحدات السكنية وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
وفى المقابل، أكد أن الحديث عن تراجع الصناعة بصورة كاملة ليس دقيقًا، موضحًا أن قطاع التصنيع غير النفطى سجل نموًا قويًا خلال العام المالى 2024/2025 وصل إلى نحو 14.7%، مع تحسن ملحوظ فى صناعات السيارات والمنسوجات والملابس الجاهزة والصناعات الغذائية.
وأشار إلى أن شعور البعض بتراجع الصناعة يعود إلى تحديات حقيقية تواجه الاستثمار الصناعى، مثل ارتفاع تكاليف الطاقة والخدمات اللوجستية، وطول فترات استرداد رأس المال، والمنافسة القوية من الأسواق الآسيوية، ما يجعل العقارات أكثر جذبًا للمستثمرين باعتبارها أقل مخاطرة وأسرع عائدًا.
وشدد الخبير الاقتصادى على أن التوسع العمرانى يحمل فوائد مهمة، أبرزها إنشاء بنية تحتية متطورة يمكن أن تدعم التصنيع مستقبلًا، لكنه حذر من الاعتماد المفرط على العقارات كمحرك رئيسى للنمو، مؤكدًا أن الصناعة تظل الأساس الحقيقى للتنمية المستدامة لقدرتها على زيادة الصادرات وبناء المهارات وتقليل البطالة وتحسين الميزان التجارى.
واختتم حديثه بالتأكيد أن نجاح الرؤية الاقتصادية يتطلب تحقيق توازن بين “البناء” و”الإنتاج”، عبر توجيه جزء من عوائد القطاع العقارى لدعم الصناعة وتقديم حوافز حقيقية للقطاع الخاص، مشيرًا إلى أن العقارات ليست عدوًا للتصنيع، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عنه.
وفى النهاية، بين مدن تتوسع بسرعة، ومصانع تبحث عن البقاء، يقف الاقتصاد المصرى أمام معادلة شديدة الحساسية.. هل تنجح الدولة فى تحويل الطفرة العمرانية إلى قاعدة إنتاجية حقيقية؟.. أم أن مصر تتجه تدريجيًا نحو اقتصاد تقوده العقارات أكثر مما تقوده المصانع؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض