رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

هوامش

أعادتنى واقعة كلية الحقوق بجامعة العاصمة – حلوان سابقاً – أربعين عاماً إلى الوراء، حين كنت طالباً بالمرحلة الثانوية وعضواً فى فريق التمثيل المدرسى، وقدمت آنذاك شخصية «غراتسيانو» فى مسرحية «تاجر البندقية» للأديب الإنجليزى العالمى وليم شكسبير.

ورغم أن تلك الفترة كانت تشهد انتشاراً واسعاً للجماعات الإسلامية داخل المدارس والجامعات وسيطرتها على اتحادات الطلاب، فإننا كنا نمارس هواية التمثيل بحرية كاملة، بدعم من الأساتذة ومسئولى شئون الطلاب، ولم يتوقف أحد أمامنا بزعم الحرمانية أو ضعف الإمكانات أو خوفاً من الجدل المجتمعى.

المسرح المدرسى والجامعى لم يكن يوماً مجرد نشاط ترفيهى عابر، بل كان أحد أهم الروافد التى صنعت قوة مصر الناعمة وأسهمت فى تشكيل وجدان أجيال كاملة. فمنذ ظهوره فى ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضى، لعب المسرح المدرسى دوراً محورياً فى اكتشاف المواهب وصقلها، وتحول إلى مفرخة حقيقية للفنانين والمخرجين والكتّاب الذين أثروا المسرح القومى والسينما والتلفزيون لاحقاً.

فى الثلاثينيات انطلقت شرارة المسرح المدرسى بجهود الرائد زكى طليمات، الذى أدرك مبكراً قيمة الفن فى بناء الشخصية الوطنية والثقافية. ثم جاءت الأربعينيات والخمسينيات لتشهد تأسيس فرق مسرحية جامعية منظمة داخل جامعات القاهرة والإسكندرية وعين شمس، قدمت أعمالاً عالمية ومترجمة وكلاسيكية، وأسهمت فى نشر الوعى الفنى والثقافى بين الطلاب.

أما السبعينيات والثمانينيات، فقد مثلتا العصر الذهبى الحقيقى للمسرح الجامعى، حين أصبح مهرجان المسرح الجامعى منصة لإطلاق المخرجين والكتّاب والممثلين الشباب. ومن بين جدران الجامعات خرج نجوم كبار أصبحوا لاحقاً رموزاً للفن المصرى، مثل عادل إمام، وصلاح السعدنى، ويحيى الفخرانى، وخالد الصاوى، وغيرهم كثيرون.

وأذكر جيداً الفنان الدكتور أيمن الشيوى، الذى عاصرته فى كلية الإعلام بجامعة القاهرة، وكان وقتها طالباً فى السنة النهائية بينما كنت فى السنة الأولى. كان عاشقاً للمسرح إلى حد التفرغ له، يمارس شغفه بحرية كاملة مع زملائه داخل الجامعة، حتى أصبح اليوم رئيساً لقطاع المسرح وأحد الأسماء المهمة فى الحركة المسرحية المصرية. هكذا كانت الجامعات المصرية تفتح أبوابها للمواهب، لا تغلقها.

ولذلك يبدو ما حدث أخيراً فى كلية الحقوق بجامعة حلوان – أو جامعة العاصمة حالياً – أمراً مثيراً للقلق والتساؤلات، بعد وقف عرض مسرحية

 «الدحديرة» والتضييق على الطلاب المشاركين فيها. فمهما كانت المبررات، لا يجوز أن تتحول الجامعة إلى مساحة طاردة للإبداع أو بيئة تخشى النشاط الفنى والثقافى، لأن ذلك لا يمس الطلاب وحدهم، بل يمس مستقبل القوة الناعمة المصرية نفسها.

المؤسف أن الدولة خلال العقود الأخيرة أهملت إلى حد كبير المسرح المدرسى والجامعى، رغم أنه أقل تكلفة وأكثر تأثيراً فى اكتشاف الطاقات الشابة. وكان من الواجب على وزارات التربية والتعليم والتعليم العالى والثقافة أن تتبنى مشروعاً وطنياً حقيقياً لإحياء المسرح داخل المدارس والجامعات، باعتباره وسيلة لبناء الوعى، ومواجهة التطرف، وتعزيز الانتماء، واكتشاف المواهب التى لا تنضب بها مصر.

إن ما جرى فى حقوق حلوان لا يجب أن يمر مرور الكرام، بل يتطلب تحقيقاً شفافاً لكشف حقيقة ما حدث وأسباب وقف العرض المسرحى، مع توجيه واضح من الجهات المعنية إلى عمداء الكليات ومديرى مديريات التعليم بضرورة دعم المواهب الفنية وتشجيع الأنشطة الثقافية، بدلاً من محاصرتها أو التعامل معها باعتبارها عبئاً أو خطراً.

فالدول لا تُبنى فقط بالمصانع والكبارى والاقتصاد، بل تُبنى أيضاً بالفن والثقافة والوعى. والمسرح كان وسيظل أحد أهم أسلحة مصر الناعمة، وأحد أبرز العناوين الحضارية التى صنعت ريادتها العربية لعقود طويلة. وإذا أردنا استعادة تلك الريادة، فعلينا أن نعيد للمسرح المدرسى والجامعى عصره الذهبى.

 

[email protected]