رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

المفاضلة بين مناسك الحج الثلاثة

بوابة الوفد الإلكترونية

يعد الحج أحدُ أركان الإسلامِ الخمسة، وهو فرضٌ على كلِّ مستطيع مرةً واحدةً في العمر، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلًاۚ﴾ [آل عمران: ٩٧].

مناسك الحج

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا» فقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا. فقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَت، وَلَمَا اسْتَطَعْتُم»، ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ» أخرجه الإمام مسلم.

مناسك الحج الثلاثة

ومن المقرر شرعًا أن للحج ثلاثةَ أَنسَاكٍ، أي أن له ثلاث طُرُق لتأدية منسكه، وهي: الإفراد، والقِران، والتمتع.

فالإفراد: هو أن يُحرِم الحاج بأعمال الحج فقط، ثم يؤدي العمرة بعد الانتهاء من مناسك الحج إذا أراد، ويُحرِم بالعمرة حينئذٍ من أدنى الحِلِّ، كالتنعيم مثلًا، وعند الشافعية يُشترط في صورة الإفراد أن يعقب الحجَّ بعمرةٍ بعده.

والقِران: هو أن يُحرِم بالعمرة والحج معًا، أو بالعمرة ثم يُدخِل عليها الحج قبل شروعه في طوافها، ثم يعمل عمل الحج في الصورتين.

والتَّمَتُّعُ: هو أن يُحرم بالعمرة في أشهر الحج وَيَفرُغ منها، ثم يُنشِئَ حجًّا مِن عامه دون أن يرجع إلى الميقات للإحرام بالحج، وسمي بذلك؛ لتمتعه بالعمرة إلى وقت الحج؛ أي انتفاعه بالتقرُّب بها إلى الله تعالى قبل الانتفاع بتقرُّبه بالحج، أو لتمتع صاحبه بإحلالِ محظورات الإحرام له في فترةِ ما بين تَحَلُّلِهِ من العمرة وإحرامه بالحج، أو لتمتعه بسقوط العَودِ إلى الميقات ليُحرِمَ بالحج.

قال الإمام الشيرازي في "التنبيه في الفقه الشافعي" (ص: 70، ط. عالم الكتب) في بيان المناسك الثلاث: [الإفراد: أن يحج، ثم يخرج إلى أدنى الحل ويُحرم بالعمرة. والتمتع: أن يُحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها، ثم يحج من عامه. والقِران: أن يجمع بينهما في الإحرام، أو يُهِل بالعمرة، ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف، ثم يقتصر على أفعال الحج] اهـ.

وقال الإمام ابن قُدَامة في "المُغني" (3/ 260، ط. مكتبة القاهرة): [الإحرام يقع بالنسك من وجوه ثلاثة: تمتع، وإفراد، وقِران. فالتمتع: أن يُهِل بعمرة مفردة من الميقات في أشهر الحج، فإذا فرغ منها أحرم بالحج من عامه. والإفراد: أن يُهِل بالحج مفردًا. والقِران: أن يجمع بينهما في الإحرام بهما، أو يحرم بالعمرة، ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف] اهـ.

ومما يُفرَّق به بين هذه الأنساك: أنَّ القِرانَ والتمتُّعَ يجبُ فيهما الهدي، بخلاف الإفراد فلا يجب على المُفرِد دمٌ، بل إن شاء ذبح تطوُّعًا، وإن شاء ترك الذبح.

فإن عجز القارِن أو المتمتِّع عن الهدي انتقل إلى الصيام، وهو صومُ عشرةِ أيامٍ: ثلاثةٌ في الحج، وسبعةٌ بعد عودته إلى وطنه، لقول الله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ﴾ [البقرة: 196].

فأوجبت الآية الكريمة الهديَ أو بدله عند العجز عنه على المُتمتِّع، لأنَّه جمَعَ بين النُّسُكينِ في وقتِ أحدِهما، وتمتع بمحظورات الإحرام بعد التحلل من العمرة، وإذا وجب ذلك على المُتَمَتِّع، فلَأَن يَجِبَ على القارِنِ من باب أَوْلى؛ لأنه يجمع بينهما في وقتٍ واحدٍ، واندرجت جميع أفعال العمرة في أفعال الحج.

قال الإمام القُرْطُبي في "الجامع لأحكام القرآن" (2/ 392، ط. دار الكتب المصرية) عند تفسير الآية الكريمة: [وإنما جعل القِران من باب التمتع؛ لأن القارن يتمتع بترك النَّصَب في السفر إلى العمرة مرة وإلى الحج أخرى، ويتمتع بجمعهما، ولم يحرم لكل واحدة من ميقاته، وضم الحج إلى العمرة، فدخل تحت قول الله عز وجل: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ﴾] اهـ.

 

وقد اتفق الفقهاء على جواز الإهلال بأيٍّ من الأنساك الثلاثة: الإفراد، والتمتع، والقِران، وأن المكلف مخيَّرٌبينها، فبأيِّها أحرم أجزأه، غير أنهم اختلفوا في المفاضلة بينها.

 

ويرجع اختلاف الفقهاء في المفاضلة بين الأنساك الثلاثة إلى اختلافهم في حَجِّه صلى الله عليه وآله وسلم: هل كان مُفرِدًا، أم قارِنًا، أم متمتِّعًا؟ فمن ترجَّح لديه أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم كان أحد هذه الأنساك ذهب إلى تفضيله؛ تأسيًا به صلى الله عليه وآله وسلم.

 

ومن ثمَّ تفرَّعت أقوال الفقهاء في المفاضلة بين هذه الأنساك، فذهب الحنفية إلى أن الأفضل من الأنساك الثلاثة هو القِران، ثم التمتُّع، ثم الإفراد، وهو قولٌ مرويٌّ عن الإمام أحمد إذا ساق الهدي معه، فإن لم يسُقه فالتَّمتُّع أفضل.

 

وذهب المالكية والشافعية إلى أن أفضلها الإفراد، مع اختلافهم فيما يليه: فذهب المالكية، وهو قولٌ عند الإمام الشافعي إلى أن الذي يلي الإفراد في الأفضلية هو القِران ثم التمتُّع، بينما ذهب الإمام الشافعي في قولٍ ثانٍ، وهو المعتمد في المذهب الشافعي، إلى أن الذي يلي الإفراد في الأفضلية هو التمتُّع ثم القِران.

 

وذهب الحنابلة، وهو قولٌ للإمام الشافعي إلى أن أفضل الأنساك الثلاثة التمتع، ثم الإفراد، ثم القِران، وهو المروي عن ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنهم أجمعين، وجماعة من التابعين منهم: الحسن البصري، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وجابر بن زيد، وعكرمة رحمهم الله تعالى.

بينما ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا تفاضل بين هذه الأنساك الثلاثة في أصل الأفضلية، بل هي سواء؛ لثبوتها جميعًا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصحتها، وجواز العمل بكل واحدٍ منها، وأن المكلَّف مخيَّرٌ بينها، فبأيِّها أحرم أجزأه على جهة المساواة.

وتعد المفاضلة بين الأنساك الثلاثة في الإهلال بالحج من المسائل المختلف فيها بين العلماء، ما بين تفضيل أحدها على الآخرَيْن، وما بين القائلين بالسوية بينها في الفضل بدون تفضيل أحدها على الآخرَيْن، والأمر في ذلك واسِع، والأخذ بأيٍّ من هذه الأنساك مجزئٌ وصحيح ومثاب عليه شرعًا.