ذهبتُ مع رفاق من الإسكندرية لزيارة المتحف المصرى الكبير.
يقف تمثال رمسيس الثانى الهائل فى البهو الكبير لا كقطعة أثرية، بل كأنّه حارس الزمن المصرى كلّه. ذلك الجسد الحجرى العملاق، الممتدّ فى صمتٍ مهيب، يفرض على الزائر شعورًا نادرًا بثقل الحضارة وهيبتها. عندها تذكّرتُ فورًا قصيدة «أوزيماندياس» للشاعر الإنجليزى الرومانسى بيرسى بيش شيلى، وهى من أشهر قصائد الشعر الإنجليزى عن مصر القديمة.
فى القصيدة، يتخيّل شيلى مسافرًا يعثر فى الصحراء على بقايا تمثالٍ فرعونى محطم، وعلى قاعدته كلماتٌ متعجرفة تقول:
اسمى أوزيماندياس، ملكُ الملوك؛
فانظروا إلى آثارى، يا ذوى البأس والسلطان، واقنطوا !
لكنّ المفارقة القاسية أنّ الرمال ابتلعت كلّ شيء، ولم يبقَ سوى الحجارة المحطّمة والصمت. لقد رأى شيلى فى الحضارة المصرية رمزًا لعظمة الإنسان من جهة، ولعجزه أمام الزمن من جهة أخرى. كانت مصر بالنسبة إلى الخيال الرومانسى الأوروبى حضارة عملاقة هزمها الزمن أخيرًا.
غير أنّ الوقوف داخل المتحف المصرى الكبير يمنح الإنسان إحساسًا مختلفًا تمامًا. فالحضارة المصرية هنا لا تبدو مهزومة، بل تبدو وكأنّها استطاعت أن تهزم الموت نفسه. قناع توت عنخ آمون الذهبى لا يبدو مصنوعًا من الذهب وحده، بل من الضوء ذاته. العينان الهادئتان تحدّقان فى الزائر بثقةٍ غريبة، كأنّ الملك الشاب ما يزال حيًّا داخل ذلك المعدن البارد.
لكنّ ما أثّر فيّ أكثر من الذهب نفسه هو التفاصيل الإنسانية الصغيرة التى نجت من آلاف السنين: صندل الملك الصغير، الخفيف والصامت، كأنّ صاحبه نزعه منذ دقائق؛ والعجلات الحربية الملكية، بخشبها المصقول وعجلاتها الدقيقة، التى تجعل الفراعنة يخرجون من إطار الأسطورة ليصبحوا بشرًا عاشوا وتحركوا وخاضوا الحروب ووشاركوا فى الاحتفالات.
ولم يكن شيلى وحده من افتتن بمصر القديمة. فمنذ القرن التاسع عشر، ظلّت مصر حاضرة بقوة فى الأدب الإنجليزى. فقد كتب الفيكتوريون عن الأهرامات والمعابد والمومياوات بوصفها رموزًا للغموض والخلود. وظهرت مصر فى الروايات الإنجليزية باعتبارها المكان الذى يقف فيه الإنسان وجهًا لوجه أمام الزمن والموت والأبدية.
غير أنّ كثيرًا من تلك الكتابات الغربية نظرت إلى مصر القديمة بوصفها حضارة موت وأسرار فقط، بينما تكشف قاعات المتحف المصرى الكبير شيئًا آخر أكثر عمقًا: أنّ المصرى القديم كان عاشقًا للحياة أيضًا. لقد أحبّ الجمال، والذهب، والزينة، والموسيقى، والحركة، وبنى للعالم الآخر، كما بنى أيضًا لهذا العالم بكل ما فيه من بهجة وقوة.
ولعلّ أعظم ما يفعله المتحف المصرى الكبير أنّه يعيد هذه الحضارة إلى الوعى المصرى المعاصر كجزءٍ حيّ من الهوية المصرية نفسها. خرجتُ من هناك وأنا أشعر بأنّ رمسيس الثانى، وخوفو، وتوت عنخ آمون، لم يعودوا مجرّد أسماء فى كتب التاريخ، بل حضور إنسانى لا يزال قادرًا على إبهار العالم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض