مليون و400 ألف حالة عقر خلال عام واحد
الكلاب الضالة «وحوش» الشوارع
نهشت ذراع طفل ببورسعيد.. وقتلت مسناً فى السويس وتهاجم المواطنين
لم يعد السير فى شوارع مصر أمراً عادياً، بعدما تحولت الكلاب الضالة إلى مصدر خوف يومى يطارد المواطنين فى القرى والمدن.
أطفال يخرجون إلى مدارسهم مصحوبين بتحذيرات الأمهات، وسيدات يسرعن خطواتهن هرباً من مطاردات مفاجئة، وشباب انتهى بهم الطريق إلى غرف الطوارئ بعد هجمات شرسة تركت آثارها فى أجسادهم ونفوسهم.
الأزمة لم تعد مجرد مشهد مألوف لكلاب تتجول فى الشوارع، بل تحولت إلى خطر يهدد الأمن والصحة العامة، فى ظل تزايد أعداد الكلاب بشكل لافت، وانتشارها أمام المدارس والمستشفيات ومحطات المواصلات، بينما يعيش المواطنون حالة غضب بسبب غياب حلول حقيقية تنهى معاناتهم.
وتبرز المشكلة بشكل أوضح بقراءة بيان وزارة الصحة الذى أكدت فيه أن مصر سجلت نحو مليون و400 ألف حالة عقر خلال عام، بتكلفة علاج تجاوزت 1.7 مليار جنيه، تتحملها الدولة لتوفير الأمصال واللقاحات.
ضحايا
لم تعد هجمات الكلاب الضالة مجرد وقائع فردية، بل تحولت إلى مشاهد متكررة تسقط ضحايا يومياً بين أطفال ومسنين وشباب، ففى محافظة بورسعيد، تعرض طفل لهجوم شرس من كلب ضال أمام منزله، بعدما انقض عليه بشكل مفاجئ، ما أسفر عن إصابته بجروح بالغة والتهم جزءاً من ذراعه، وفق رواية أسرته، ليخضع بعدها لسلسلة من العمليات الجراحية وسط حالة من الصدمة والغضب بين الأهالى.
وفى واقعة مأساوية أخرى، لقى مسن مصرعه بعد تعرضه لهجوم من الكلاب الضالة أثناء عودته إلى منزله حاملاً كيساً فيه لحم، ما تسبب فى إصابته بعقرات متعددة أودت بحياته، وسط مطالبات من الأهالى بسرعة التدخل للسيطرة على الظاهرة. كما أصيبت سيدة بعقر وجروح متفرقة بعدما هاجمتها مجموعة من الكلاب الضالة أثناء توجهها إلى عملها فى الصباح الباكر، ما تسبب فى حالة من الذعر بين سكان المنطقة.
بيزنس خفى
وفى الوقت الذى يطالب فيه الأهالى بحماية الشوارع من الهجمات المتكررة، تتمسك جماعات الرفق بالحيوان برفض أى حلول تعتمد على التخلص من الكلاب، مطالبة بالتعقيم والتطعيم وإنشاء ملاجئ آمنة، وبين مطالب حماية الإنسان والدفاع عن الحيوان، تتسع الأزمة يوماً بعد يوم، دون خطة واضحة توقف نزيف الضحايا.
ومع تصاعد حالة الجدل والخوف فى الشارع، دخل الملف إلى دائرة الاهتمام الحكومى، بعدما وجه رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى الجهات المعنية والمحافظات بسرعة التحرك لمواجهة ظاهرة انتشار الكلاب الضالة، فى محاولة لاحتواء أزمة أصبحت تهدد المواطنين يومياً فى مختلف المحافظات، ومع انتشار الخوف بين المواطنين، ظهرت روايات واتهامات مثيرة للجدل يتداولها البعض حول وجود مصالح و«بيزنس خفى» وراء استمرار أزمة الكلاب الضالة، مستندين إلى تجارة بلازما دم الكلاب واستخداماتها الطبية والبيطرية، وسط مطالب بفتح تحقيقات رسمية لكشف حقيقة هذه المزاعم، خاصة مع انتشار اتهامات لبعض الجمعيات والجهات بالاستفادة من بقاء الأزمة دون حل جذرى.
وبين روايات يصفها أصحابها بأنها حقائق موثقة، وآخرون يعتبرونها مجرد نظريات غير مثبتة، تبقى الأسئلة مفتوحة عمن يدير هذا الملف؟ وهل توجد بالفعل مصالح اقتصادية وراء استمرار الظاهرة، أم أن الأمر لا يتجاوز حالة من الجدل والغضب الشعبى؟
تغير طبيعة الكلاب
فى هذا السياق، يرى الدكتور مصطفى الجعفرى، الأستاذ المساعد بكلية الطب البيطرى فى جامعة القاهرة، والباحث السابق فى جامعة إلينوى الأمريكية، أن أزمة الكلاب الضالة فى مصر تفاقمت بشكل كبير بسبب إطعامها فى الشوارع والمناطق السكنية، مؤكداً أن هذا السلوك غيَّر طبيعتها الفطرية وجعلها أكثر جرأة وعدوانية تجاه المواطنين.
وأوضح «الجعفرى» أن الكلاب بطبيعتها كانت تعيش قديماً على أطراف المدن والمناطق الصحراوية، وتتحرك ليلاً فقط للبحث عن بقايا الطعام ثم تعود لأماكنها، لكنها بعد اعتياد الطعام المقدم لها أسفل العقارات وفى الشوارع فقدت خوفها الطبيعى من الإنسان، وأصبحت تعتبر المكان الذى يقدم لها فيه الطعام منطقة نفوذ خاصة بها، وهو ما يفسر انتشارها بأعداد كبيرة داخل الأحياء السكنية وتكرار هجماتها على المارة.
وأضاف «الجعفرى» أن الإطعام العشوائى لا يقتصر ضرره على زيادة أعداد الكلاب فقط، بل يؤدى أيضاً إلى خلل واضح فى التوازن البيئى، موضحاً أن الحيوان الأنسب للعيش داخل المدن هو القطط، لأنها تلعب دوراً مهماً فى القضاء على الفئران والعرس والثعابين والعقارب، بينما تؤدى زيادة أعداد الكلاب إلى مهاجمة القطط وتقليل أعدادها بشكل ملحوظ، وهو ما يسمح بانتشار القوارض بصورة أكبر.
وحذر «الجعفرى» من خطورة هذه الظاهرة، خاصة مع المخاوف العالمية المرتبطة بفيروس «هانتا»، الذى ينتقل عن طريق الفئران وإفرازاتها، مؤكداً أن تراجع أعداد القطط مقابل انتشار الفئران قد يفتح الباب أمام مخاطر صحية وبيئية خطيرة إذا لم يتم التعامل مع الملف بشكل علمى وسريع.
وأشار إلى أن العديد من الدول تجرم إطعام الكلاب والحيوانات الضالة فى الشوارع حفاظاً على التوازن البيئى والصحة العامة، لافتاً إلى أن دولاً مثل السعودية والإمارات والكويت، وأيضاً أوروبا وأمريكا، تفرض غرامات مالية على إطعام الحيوانات فى الطرق العامة، باعتبار أن ذلك يؤدى إلى توطينها داخل المدن وجذب الحشرات ونقل الأمراض.
وأكد أن تجمع الكلاب فى مجموعات يزيد من سلوكها العدوانى، مشيراً إلى أن بعض الكلاب أصبحت تهاجم المارة بشكل متكرر بعد فقدانها رهبة الإنسان.
البيزنس الأسود
وأشار «الجعفرى» لـ«البيزنس الأسود» المرتبط بدماء الكلاب وبلازمتها، موضحاً أن هناك استخدامات طبية وبيطرية لبنوك دم الحيوانات، وأن بعض فصائل دم الكلاب النادرة تباع بأسعار مرتفعة تصل إلى مئات الدولارات للكيس الواحد، خاصة فى الأسواق الخارجية.
وأضاف أن الكلب البلدى المصرى يتمتع بخصائص مناعية تجعله مطلوباً فى بعض الاستخدامات البيطرية، مشيراً إلى أن بعض الجهات والجمعيات، بحسب قوله، تستفيد اقتصادياً من استمرار أزمة الكلاب الضالة، عبر أنشطة مرتبطة بجمع الدم والبلازما والتعامل مع بنوك دم خارجية، حيث تستخدم فى تصنيع أدوية ومنتجات بيطرية فى الخارج.
وشدد الجعفرى على ضرورة وجود قوانين حاسمة تنظم التعامل مع الحيوانات الضالة، مع منع الإطعام العشوائى داخل الشوارع، وتطبيق حلول علمية تحقق التوازن بين حماية المواطنين والحفاظ على الصحة العامة والبيئة
ملف معقد
واتفق مع هذا الرأى الدكتور علاء عبدالعال، نقيب الأطباء البيطريين ومدير مديرية الطب البيطرى السابق، موضحاً أن ملف الكلاب الضالة من أكثر الملفات تعقيداً وإثارة للجدل، مشيراً إلى أن أى مسئول يتحدث فيه يتعرض للهجوم من طرفين؛ المتضررين من الكلاب من جهة، وبعض المتعاطفين وجمعيات الرفق بالحيوان من جهة أخرى.
وأوضح «عبدالعال» أن إطعام الكلاب فى الشوارع يؤدى إلى «توطينها» داخل المناطق السكنية، حتى يعتبر الكلب المكان الذى يحصل فيه على الطعام موطناً دائماً له، فيبقى منتظراً من يطعمه بدلاً من البحث عن غذائه بطبيعته المعتادة، مضيفاً أن الكلاب تبدأ ربط أى شخص يحمل أكياساً بالطعام، ما يزيد من احتمالات الهجوم على المواطنين، خاصة مع اعتياد بعض الأشخاص على تقديم لحوم نيئة وهياكل فراخ، وهو ما يساهم فى زيادة شراسة الكلاب وسلوكها العدوانى.
وأشار إلى أن قانون حيازة الحيوانات الخطرة والكلاب الضالة يتضمن مواد تنظم التعامل مع الظاهرة، منها المادة 11 الخاصة بمكافحة الكلاب الضالة، وتنص على التحصين والتعقيم وإنشاء «شلاتر» أو ملاجئ، إلى جانب السماح بالتخلص الرحيم من الكلاب الشرسة وفقاً للمعايير البيطرية العالمية، من خلال أدوية وحقن تؤدى إلى الوفاة دون ألم.
وأضاف أن تنفيذ هذه المواد يواجه صعوبات كبيرة بسبب ارتفاع التكلفة ونقص الإمكانيات، موضحاً أن عمليات التعقيم وحدها تتراوح تكلفتها بين 300 و1000 جنيه للحيوان الواحد، بينما تحتاج الدولة إلى مليارات الجنيهات لتغطية الأعداد الحالية من الكلاب الضالة، فضلاً عن تكلفة إنشاء الشلاتر وتوفير الأطباء والأدوية.
وأكد «عبدالعال» أن العديد من دول العالم، بينها الولايات المتحدة وأستراليا، تطبق نظام «التخلص الرحيم» للسيطرة على الحيوانات الضالة والخطرة، معتبراً أن الاعتماد على التطعيم والتعقيم فقط لن يكون كافياً مع الزيادة الكبيرة فى أعداد الكلاب بالشوارع.
وكشف نقيب البيطريين عن وجود مصالح اقتصادية مرتبطة بالملف، مشيراً إلى أن بعض الجهات والجمعيات تجمع تبرعات من الداخل والخارج، إلى جانب وجود شركات تجمع عينات دم من الكلاب ذات الفصائل النادرة لاستخدامها أو تصديرها للخارج فى أغراض علاجية وبيطرية.
وحذر من خطورة استمرار الأزمة على الصحة العامة، لافتاً إلى أن الكلاب الضالة تحمل أمراضاً وطفيليات وفيروسات قد تنتقل للإنسان، فضلاً عن التلوث البيئى الناتج عن مخلفاتها، مؤكداً أن أعداد حالات العقر ارتفعت بصورة كبيرة وأصبحت تمثل عبئاً ضخماً على الدولة بسبب ارتفاع تكلفة الامصال والعلاج.
وشدد «عبدالعال» على ضرورة تفعيل القانون بشكل كامل، وتنظيم عملية إطعام الحيوانات من خلال تصاريح وأماكن محددة تحت إشراف الدولة، مع إخضاع الجمعيات العاملة فى المجال للرقابة البيطرية والقانونية، حفاظاً على صحة المواطنين والتوازن البيئى.
رقابة على الجمعيات
من ناحية أخرى أكدت الدكتورة إلهام المهدى، المحامية، أن جمعيات الرفق بالحيوان فى مصر تخضع بالفعل لرقابة قانونية ومالية من عدة جهات رسمية، لكنها ترى أن هذه الرقابة تحتاج إلى مزيد من الصرامة والاستمرارية لضمان عدم استغلال الملف بصورة غير قانونية.
وأوضحت أن وزارة التضامن الاجتماعى تعد الجهة الأساسية المسئولة عن مراجعة الحسابات البنكية للجمعيات، ولا يسمح لها بتلقى تبرعات أو منح محلية أو خارجية إلا بعد موافقة رسمية مسبقة، كما يتولى الجهاز المركزى للمحاسبات مراجعة الميزانيات والتأكد من إنفاق الأموال فى الأغراض المخصصة لها قانوناً، بينما تشرف الهيئة العامة للخدمات البيطرية على الأنشطة الطبية والبيطرية داخل الملاجئ ومراكز الإيواء.
وأكدت المهدى أن هناك أقاويل عن استخدام بنوك الدم الحيوانية لأغراض علاجية وإنسانية داخل مصر، فى حين تستمر المطالبات بفتح تحقيقات موسعة لحسم الجدل وكشف حقيقة هذه الأنشطة.
وأشارت إلى أن القانون المصرى لا يتضمن حتى الآن تشريعاً مستقلاً ينظم عمليات نقل دم الحيوانات أو الاتجار بالبلازما، لكن هذه الأنشطة تخضع لقانون الزراعة والقرارات المنظمة للحجر البيطرى وتصدير المنتجات الحيوية، إضافة إلى قانون تنظيم حيازة الحيوانات الخطرة والكلاب رقم 29 لسنة 2023.
وشددت على أن أى استغلال تجارى غير مشروع للحيوانات قد يعرض القائمين عليه لعقوبات تصل إلى الحبس والغرامات وحل الجمعية، مطالبة بسن قانون موحد للرفق بالحيوان، وإنشاء بنك دم حيوانى حكومى تحت رقابة الدولة، مع تطبيق نظام رقمى لتتبع الحيوانات والتبرعات لضمان الشفافية ومنع أى تجاوزات.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض