فى زمن تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتتداخل فيه صراعات الهوية يتردد فى الأروقة الدبلوماسية ومراكز الفكر مصطلح يثير الكثير من الجدل والفضول العقيدة الإبراهيمية أو ما يُعرف بالديانة الإبراهيمية الجديدة. بين من يراها طوق نجاة لتحقيق السلام العالمى، ومن يراها مشروعاً سياسياً مغلفاً بغطاء دينى لتذويب الهويات ونجد أن العالم الإسلامى هو المقصود فى قلب هذا الحراك.
فما هى هذه العقيدة؟ وكيف تؤثر على الوجدان والواقع الإسلامى؟
هل هى دين جديد أم مناورة دبلوماسية؟
لغوياً وتاريخياً ينتسب المسلمون والمسيحيون واليهود إلى جدهم المشترك النبى إبراهيم- عليه السلام- وهو مفهوم متجذر فى أدبيات الأديان الثلاثة. لكن العقيدة الإبراهيمية بمعناها المعاصر لا تشير إلى هذا الإرث التاريخى المشترك، بل تشير إلى مفهوم سياسى وفكرى مستحدث.
يسعى هذا المفهوم إلى التركيز على المشتركات الأخلاقية والإيمانية بين الأديان الثلاثة ودمجها فى إطار قواسم مشتركة عابرة للحدود العقائدية، وغالباً ما يتم توظيفها كركيزة فكرية لدعم الاتفاقيات السياسية والتحالفات الإقليمية مثل اتفاقيات إبراهيم للسلام.
العقيدة الإبراهيمية ليست كتاباً سماوياً جديداً ولا طقوساً تعبدية مستحدثة، بل هى محاولة لصياغة فضاء قيمى مشترك يتجاوز الخصوصيات الدينية لكل معتقد.
لقد أحدث طرح هذا المفهوم موجات ارتدادية واسعة فى الفضاء الإسلامى وانقسمت ردود الأفعال تجاهه إلى تيارين رئيسيين الرفض المؤسسى والعقائدى من حراس الهوية، حيث قادت المؤسسات الدينية الكبرى فى العالم الإسلامى، وعلى رأسها الأزهر الشريف فى مصر جبهة الرفض القاطعة لهذا المفهوم. ويرتكز هذا الرفض على عدة مخاوف ومبررات شرعية، حيث يرى العلماء أن الدمج الفكرى للأديان قد يؤدى إلى تمييع الفوارق العقائدية الجوهرية مثل التوحيد المطلق فى الإسلام مقابل التثليث فى المسيحية أو النظرة اليهودية للنبوة.
وهناك ثمة قناعة واسعة بأن المفهوم ليس دعوة روحية بريئة، بل هو أداة هندسة اجتماعية وسياسية تهدف إلى ترويض الشعوب الإسلامية وتقبل واقع سياسى جديد فى الشرق الأوسط.
ويرى الرافضون أن الأخوّة الإنسانية والتعايش السلمى أمر يدعو إليه الإسلام أصلاً دون الحاجة لخلط الأديان أو اختراع مسميات هجينة.
وعلى الجانب الآخر يرى بعض الأوساط السياسية والمراكز الفكرية فى التوجه الإبراهيمى فرصة سانحة لـتفكيك خطاب الكراهية واستخدام الرمزية المشتركة للنبى إبراهيم كمنصة للحوار ونزع فتيل التطرف الدينى والنزاعات الطائفية.
وتقديم غطاء فكرى وأخلاقى يُسهّل التعاون الاقتصادى والأمنى بين دول المنطقة بمختلف خلفياتها الدينية.
إن التأثير الحقيقى للعقيدة الإبراهيمية على العالم الإسلامى يتجاوز السجال الفقهى إنه يمس الوعى الجمعى للشعوب. ففى عصر العولمة يواجه الشباب المسلم تحدى الموازنة بين الانفتاح الكونى والتعايش مع الآخر وبين الحفاظ على الثوابت التى تشكل عمق هويته. لقد أعادت هذه الأطروحات تحفيز العقل الإسلامى لإعادة تعريف مفهوم العلاقة مع الآخر من منظور إسلامى أصيل يعتمد على الآية القرآنية: «لكم دينكم ولى دين» كقاعدة ذهبية للتعايش واحترمْ دينى وأحترمُ دينك دون أن يتنازل أى منا عن حقيقته.
إن القطار الذى يتحرك تحت لافتة الإبراهيمية لن يتوقف قريباً والصراع حوله سيبقى مستعراً. لكن الدرس الأهم للعالم الإسلامى اليوم هو أن السلام الحقيقى والتعايش المستدام لا ينبعان من إنكار الفوارق وتذويب الخصوصيات بل من احترامها.
يمكن للمسلمين أن يكونوا شركاء فاعلين فى بناء عالم آمن ومتسامح ليس عبر تبنى عقائد هجينة، بل عبر استدعاء قيم العدل والرحمة وحسن الجوار المتجذرة فى قلب رسالتهم الإسلامية الأصيلة فالأشجار لا تتشابك ثمارها إلا إذا احتفظت كل شجرة بجذورها الخاصة فى الأرض.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض