رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تبدو السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط خلال ولاية دونالد ترامب وكأنها تمر بمرحلة انسحاب تدريجي أكثر من كونها إعادة تموضع. فبعد سنوات من التصعيد مع إيران، والعجز عن تحقيق حسم عسكري أو سياسي واضح، بدأ ترامب يدرك أن تكلفة الانخراط المباشر في أزمات المنطقة أصبحت أعلى من المكاسب الممكنة، خصوصًا مع تصاعد التحديات الداخلية الأمريكية والمنافسة الكبرى مع الصين وروسيا.

حيث أن فشل سياسة "الضغط الأقصى" على إيران شكّل نقطة تحول مهمة. فعلى الرغم من العقوبات الاقتصادية القاسية التي فرضتها واشنطن على طهران، لم تنجح الإدارة الأمريكية في دفع إيران إلى تقديم تنازلات جوهرية في ملفاتها النووية أو الإقليمية. كما أن المواجهات العسكرية المفتوحة تسببت في إشعال المنطقة بأكملها، وهددت المصالح الأمريكية وحلفائها، إضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا بصورة تؤثر على الاقتصاد الأمريكي ذاته.

في المقابل، بدا أن ترامب يسعى إلى تقليل الأعباء العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، والتركيز على سياسة "الإدارة عن بُعد". هذه السياسة تقوم على تقليل التدخل المباشر، مقابل الاعتماد على الحلفاء الإقليميين لحماية المصالح الأمريكية. بدا ذلك جليًا بعد دعوته المفاجئة جميع الدول، بما فيها تركيا وباكستان ومصر والأردن والسعودية وحتى إيران، إلى توقيع اتفاقات أبراهام فورًا، رغم أن بعضها لديه أصلًا سلام مع إسرائيل، وبعضها الآخر يرفض التطبيع أو يربطه بحل الدولتين. ومن هنا يمكن فهم الضغوط الأمريكية المتزايدة نحو تطبيع هذه الدول مع إسرائيل، باعتباره جزءًا من مشروع إعادة تشكيل المنطقة سياسيًا وأمنيًا دون الحاجة إلى وجود أمريكي واسع ومكلف.

تطبيع العلاقات في الشرق الأوسط مع إسرائيل لا يُنظر إليه أمريكيًا فقط كخطوة دبلوماسية، بل كجزء من بناء تحالف إقليمي قادر على مواجهة النفوذ الإيراني. فواشنطن تدرك أن دمج إسرائيل اقتصاديًا وأمنيًا في المنطقة قد يخلق شبكة مصالح مشتركة تجعل الحلفاء العرب أكثر ارتباطًا بالمظلة الأمريكية، حتى مع تقليص الوجود العسكري المباشر.

لكن هذه الرؤية تواجه تحديات كبيرة. بداية بالقضية الفلسطينية التي ما زالت تمثل عنصر توتر رئيسيًا في الشارع العربي، بالإضافة إلى العدوان الإسرائيلي السافر على لبنان، كما أن كثيرًا من القوى الإقليمية ترى أن أي انسحاب أمريكي سيخلق فراغًا أمنيًا واستراتيجيًا قد تستفيد منه إيران أو حتى روسيا والصين. كذلك، فإن عدم قدرة واشنطن على تحقيق استقرار دائم في بؤر الصراع، من العراق إلى سوريا واليمن، جعل صورة النفوذ الأمريكي تبدو أقل قوة مما كانت عليه في الفترات الماضية.

في النهاية، لا يبدو أن ترامب يريد التخلي الكامل عن الشرق الأوسط، بل إعادة صياغة الدور الأمريكي فيه. فهو يسعى إلى تقليل كلفة الحروب المباشرة، وتحويل المنطقة إلى ساحة تحالفات إقليمية تتولى حماية المصالح الأمريكية، بينما تتفرغ واشنطن لصراعاتها الكبرى في آسيا وأوروبا. وبين الانسحاب وإعادة التموضع، يبقى الشرق الأوسط أمام مرحلة شديدة الحساسية قد تُعيد تشكيله ورسم توازناته السياسية لعقود قادمة.