رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

«لفت نظر»

لم تكن قصة الجاموس الذى يشبه ترامب فى بنجلاديش مجرد قصة طريفة أخذت «التريند» ولكنها تعكس مدى السطحية التى وصلت اليها دول العالم الثالث وقدرة هذه الشعوب على التعاطى مع كل ما هو سلبى وتافه. 

«يابانى أصلى» شعار دائماً فى الذاكرة يعكس جودة الصناعة.. أما الآن فتحول الشعار نفسه إلى «بنغالى» أو «بنجالى أصلى» نسبة إلى ما حدث فى بنجلاديش. 

ففى عالم تتسارع فيه الأحداث الكبرى، وتشتعل فيه الحروب، وتتفاقم الأزمات الاقتصادية، وتبحث الشعوب عن الخبز والدواء وفرص العمل، وجدت إحدى دول العالم الثالث نفسها منشغلة بقصة جاموس ضخم يحمل اسم «ترامب» ويشبهه فى خصلة شعره الصفراء، تحول فجأة إلى قضية رأى عام، وانطلقت الحملات لإنقاذه من الذبح، حتى انتهى الأمر بنجاته وتحوله إلى نجم تتصدر أخباره العناوين.

قد تبدو القصة طريفة للوهلة الأولى، لكنها تكشف جانبا أعمق من أزمة الوعى التى تعانى منها مجتمعات كثيرة فى العالم النامي؛ حيث تتحول القضايا الهامشية إلى أحداث وطنية، بينما تتراجع الملفات الحقيقية إلى الصفوف الخلفية.

فالجاموس «ترامب» لم يكن سياسيا ولا عالما ولا صاحب إنجاز تاريخى، بل مجرد حيوان ضخم لفت الأنظار بحجمه واسمه، لكن التفاعل الشعبى والإعلامى معه تجاوز أحيانا الاهتمام بقضايا أكثر إلحاحا تمس حياة ملايين البشر. وهنا يبرز السؤال: كيف تتمكن قصة كهذه من احتلال المساحة العامة فى مجتمعات تواجه تحديات تنموية وتعليمية واقتصادية هائلة؟

الإجابة تكمن فى ظاهرة باتت تتكرر فى كثير من دول العالم الثالث، حيث ينجذب الرأى العام إلى القصص السهلة والبسيطة والمثيرة للعاطفة، بينما تبدو القضايا المعقدة أقل قدرة على جذب الانتباه. فالنقاش حول إصلاح التعليم أو تحسين الاقتصاد يحتاج إلى معرفة وصبر ومتابعة، أما قصة جاموس نجا من الذبح فهى مادة جاهزة للضحك والتعاطف والمشاركة على مواقع التواصل الاجتماعى.

ولعل المفارقة أن اسم «ترامب» نفسه لعب دورا فى شهرة الجاموس البنجالى، رغم ضعف الشبه .. فالاسم المرتبط بالرئيس الأمريكى أثار فضول الناس والإعلام، وكأن الحيوان اكتسب أهمية إضافية لمجرد ارتباطه اللفظى بشخصية عالمية مثيرة للجدل. وهكذا اجتمعت قوة الاسم مع غرابة القصة لتصنع حدثا إعلاميا كاملاً.

لكن المشكلة لا تكمن فى التعاطف مع حيوان أو الاحتفاء بقصة إنسانية لطيفة، فذلك أمر طبيعى فى كل المجتمعات. المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه القصص بديلاً عن الاهتمام بالقضايا الجوهرية، وعندما تتحول وسائل الإعلام ومنصات التواصل إلى مصانع ضخمة لإنتاج الضجيج على حساب المعرفة.

إن قصة الجاموس «ترامب» ليست فى الحقيقة قصة حيوان نجا من الذبح، بل مرآة تعكس طبيعة العلاقة بين الجمهور والإعلام فى أجزاء واسعة من العالم النامى. فحين تضعف الثقافة العامة ويتراجع الاهتمام بالشأن العام، يصبح أى حدث استثنائى – مهما كان هامشيا – قادرا على احتلال الصدارة.

وربما كان الجاموس البنغالى أكثر حظا من ملايين البشر الذين لا يجدون من يدافع عنهم أو يطلق الحملات لإنقاذهم. فقد نجا «ترامب» من الذبح، لكن السؤال الذى يبقى مطروحا: هل تستطيع مجتمعات العالم الثالث أن تنجو من ذبح أولوياتها؟

 

[email protected]