الطلاق فى حد ذاته ليس نهاية العالم، فالعلاقات الإنسانية قد تفشل لأسباب لا حصر لها، لكن الكارثة الحقيقية تبدأ حين يتحول فشل العلاقة بين الزوجين إلى حرب مفتوحة يدفع ثمنها الأطفال وحدهم، عند هذه النقطة لا يعود الخلاف مجرد أوراق فى محكمة الأسرة، ولا تصبح «الرؤية» مجرد ساعات محددة بحكم قضائى، ولكن يتحول الأمر إلى سؤال أكبر وأكثر قسوة: كيف يمكن لطفل أن ينشأ بشكل طبيعى بينما يُطلب منه عملياً أن يختار بين أبويه، أو أن يعيش الحب تجاه أحدهما فى حدود موعد أسبوعى؟
فى الواقع، لم تعد أزمة الأحوال الشخصية فى مصر مجرد أزمة قانون، ولكنها فى الحقيقة أزمة فهم لمعنى الأسرة بعد الانفصال، فالمشكلة لم تعد تتعلق فقط بمن يملك حق الحضانة، أو من يحصل على ساعات رؤية أطول، وإنما بكيفية حماية التوازن النفسى والإنسانى لطفل وجد نفسه فجأة فى قلب صراع لا يد له فيه.
ولهذا يبدو الجدل الدائر حول «حق الرؤية» و«الاستضافة» أكبر بكثير من مجرد خلاف تشريعى، لأنه فى جوهره يعكس صداماً بين مشاعر الخوف، والرغبة فى الاحتفاظ بالأبناء، والإحساس بالحرمان، وغياب الثقة، بينما يبقى الطفل هو الطرف الوحيد الذى لا يملك حق التعبير عن خسائره.
المشهد يتكرر كل أسبوع تقريباً، أب ينتظر أبناءه فى نادٍ أو مركز شباب لساعات محدودة، يحاول خلالها اختصار مشاعر الأبوة كلها فى لعبة صغيرة، أو وجبة سريعة، أو حديث مرتبك يخشى أن ينتهى سريعاً، وأم تراقب الموقف من زاوية مختلفة، تحمل داخلها مخاوفها الخاصة من فقدان الاستقرار، أو الدخول فى معارك جديدة لا تنتهى، بينما يقف الطفل فى المنتصف، مرتبكاً بين عالمين، لا يفهم لماذا تحولت أسرته إلى مواعيد قانونية وجلسات تنفيذ.
المؤسف أن كثيراً من النقاشات المجتمعية حول هذا الملف أصبحت تُدار بمنطق «من الخاسر ومن المنتصر»، وكأن القضية مباراة يجب أن يخرج منها طرف مهزوم وآخر منتصر، بينما الحقيقة أن الجميع يخسر حين يفقد الطفل شعوره بالأمان النفسى والانتماء العائلى.
والمؤكد أن الطفل لا يحتاج فقط إلى منزل، أو نفقة، أو أوراق رسمية، لكنه يحتاج إلى علاقة صحية ومتوازنة مع أبويه، يحتاج إلى أن يشعر بأن الحب لم ينتهِ بانتهاء الزواج، وأن خلافات الكبار لا تعنى بالضرورة انهيار عالمه بالكامل، لكن ما يحدث أحياناً هو العكس تماماً، إذ يتحول الأبناء دون وعى إلى أدوات ضغط متبادلة، فتُستخدم الرؤية للعقاب، أو تُستخدم النفقة للانتقام، أو يتم شحن الطفل نفسياً ضد الطرف الآخر، لينشأ فى بيئة مليئة بالغضب والارتباك والكراهية الصامتة.
لذلك فإن الأزمة تتلخص فى غياب فلسفة متكاملة للتعامل مع الأسرة بعد الانفصال، فالكثير من الدول التى نجحت نسبياً فى تقليل آثار الطلاق على الأبناء تعتمد على منظومة أوسع تشمل الوساطة الأسرية، والدعم النفسى، وسرعة الفصل فى النزاعات، وآليات واضحة لتنفيذ الأحكام، وثقافة مجتمعية تدرك أن انتهاء العلاقة الزوجية لا يعنى إنهاء دور الأب أو الأم.
كما أن أخطر ما فى هذا الملف هو آثاره الممتدة على المجتمع نفسه، فالطفل الذى ينشأ وسط صراع دائم قد يحمل معه مشاعر الخوف والرفض وعدم الثقة إلى مراحل عمرية لاحقة، وقد يعيد إنتاج الأزمات نفسها داخل علاقاته المستقبلية. وهنا تتحول القضية من مشكلة أسرية خاصة إلى قضية مجتمعية تمس الاستقرار النفسى للأجيال القادمة.
لهذا، فإن أى نقاش حقيقى حول تطوير قانون الأحوال الشخصية يجب أن يخرج من دائرة الشعارات والانحيازات الحادة، ويتجه نحو سؤال أكثر أهمية: كيف نحمى الأطفال نفسياً وإنسانياً بعد الطلاق؟
فالعدالة هنا لا تعنى انتصار طرف على آخر، بل تعنى تقليل الخسائر الإنسانية قدر الإمكان، ومنع تحويل الأبناء إلى ضحايا دائمين لصراعات لم يختاروها.
ربما تنتهى الزيجات على الورق، لكن الأبوة والأمومة يجب ألا تنتهيا داخل قاعات المحاكم، فالطفل لا يحتاج إلى أب مهزوم أو أم منتصرة، بقدر ما يحتاج إلى عالم أقل قسوة، وأسرة قادرة رغم الخلاف على أن تمنحه حقه الطبيعى فى الحب والأمان والانتماء.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض