«يا خبر!»
الرئيس الأمريكى دونالد ترامب خاض حرباً ضد إيران لمنعها من امتلاك سلاح نووى وها هو الآن يجد نفسه مضطراً للدفاع عن اتفاق لم تظهر شروطه النهائية بعد، مجرد إطار ناشئ قد يعيد فتح مضيق هرمز، على أن تبدأ بعده مفاوضات بشأن الملف النووى خلال فترة لاحقة، وتقول واشنطن إن إيران قد تلتزم بالتخلص من اليورانيوم عالى التخصيب، فى حين تقول إيران إن القضايا النووية ستبحث خلال 30 أو 60 يوماً، لا ضمن الاتفاق الأولى نفسه.
تبدو الصيغة المطروحة فى ظاهرها محاولة لصناعة تهدئة واسعة، كوقف حالة الحرب، لكنه فى الوقت نفسه يبقى أسباب قيد البحث, والأدق القول إنه «اتفاق اللا سلم واللا حرب» سيتم بموجبه تخفيف التوتر فى مضيق هرمز، ثم ترحيل العقد النووية إلى طاولة لاحقة، لكن جوهر الخلاف يكمن فى ترتيب الخطوات، إذ يخشى الصقور فى واشنطن أن يؤدى وقف الضغط أولا، إلى إضعاف قدرة الولايات المتحدة على انتزاع تنازلات لاحقاً، بينما يرى ترمب أن فتح نافذة تفاوضية هو الطريق الأسرع لخفض كلفة الحرب واستعادة زمام المبادرة.
ترامب يحتاج إلى اتفاق يخفض أسعار الطاقة ويفتح المضيق، ويمنحه صورة الزعيم الذى أنهى الحرب، ويحتاج فى الوقت نفسه إلى إقناع قاعدة صقورية بأن الاتفاق لا يمنح إيران فرصة للتعافى بعد حرب لم تحدث تغييراً حاسماً فى سلوك النظام, لكن ترك مسألة إزالة اليورانيوم عالى التخصيب أو خفض نسبته إلى مفاوضات لاحقة يفتح باب المماطلة، لاسيما إذا احتفظت طهران بكميات من اليورانيوم المخصب بنسب أدنى يمكن رفعها لاحقاً إلى مستوى عسكرى.
طهران دخلت الحرب وهى تواجه أزمات سياسية واقتصادية داخلية، ومن ثم تخفيف العقوبات أو السماح بعودة النفط الآن قد يكون تنازلاً أمريكياً مجانياً يطيل عمر النظام فى طهران بدلاً من أن يقيد سلوكه, لاسيما أن الإطار قد يسمح لإيران ببيع النفط من دون قيود خلال فترة الهدنة، وهو ما أثار اعتراضات واسعة بين الجمهوريين المتشددين.
بدأ الاتفاق الإطارى المزمع توقيعه يشق صفوف معسكر الرئيس ترامب، إذ يرى الصقور الجمهوريون الذين دفعوا نحو الحرب فى التسوية المرتقبة خطراً مزدوجاً، يتمثل فى منح طهران وقتا تلتقط فيه أنفاسها، قبل أن تقدم أى تنازل حاسم فى الملف النووي, فالاتفاق يشمل وقف الأعمال العدائية، وإطلاق أموال إيران المجمدة، ورفعا تدريجيا للعقوبات، مقابل فتح مضيق هرمز فورا ومن دون رسوم، وتعهداً إيرانياً بعدم السعى إلى سلاح نووي, وتقول إيران أن مضيق هرمز سيبقى تحت سيادتها وتصرفها وأن فتح المضيق بعد الحرب لن يكون كفتحه قبل الحرب، وقد أعلنت بالفعل أن ستسمح بمرور السفن التجارية فقط بينما ستمنع السفن الحربية أوالعسكرية من المرور, ومن ثم يظل تعهد إيران بإعادة فتح مضيق هرمز كاملاً كسابق عهده موضع شك ما لم ينجز اتفاق سلام نهائى.
صحيح أن ترامب يقترب من مخرج من الحرب، لكنه قد لا يحقق الاستسلام الذى أراده لإيران عند بدء الحرب، لكنه الخيار العملى الوحيد المتبقى أمامه، أما التفاصيل الحاسمة، مثل مصير اليورانيوم عالى التخصيب وحق التخصيب، فستبقى موضع تفاوض خلال 60 يوماً، تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
طهران تتعامل بحذر مع تفاؤل ترامب، فهى تنفى أنها التزمت بتسليم اليورانيوم عالى التخصيب، وتقول إن الملف النووى سيبحث فى الاتفاق النهائى لا فى الإطار الحالى، كما يؤكد مسئولون إيرانيون أنهم يسعون إلى السلام بقوة، ويدافعون عن وحدة إيران واستقلالها وحقوقها, هذا الموقف يوضح أن الاتفاق إن ولد، لن يكون إعلان استسلام إيرانى، لأن طهران تريد إنهاء الحرب ورفع بعض الضغوط، لكنها تسعى فى الوقت نفسه إلى تثبيت سيطرتها على هرمز وحقها فى برنامج نووى تقول إنه لأغراض مدنية.
أخيراً إذا نجح الرئيس ترامب فى إخراج اليورانيوم عالى التخصيب، وتقييد التخصيب، وفتح مضيق هرمز بلا شروط، فسيقدم ذلك بوصفه انتصاراً لا يشبه اتفاق أوباما فى 2015، أما إذا اكتفى بوقف الحرب وتخفيف الضغط وتأجيل الملف النووى، فسيبدو فى أعين خصومه وحلفائه، كأنه منح طهران طوق نجاة بعد حرب أرادها حاسمة, والخلاصة أن كل طرف يقرأ الاتفاق من زاويته، فتراه واشنطن بداية نهاية الحرب، وتراه طهران مساراً يحفظ أوراقها قبل أى تنازل جوهرى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض