عاجل
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الناصية

لا يعتبر القطار فى نظر الصعايدة مجرد وسيلة مواصلات ولكنه كان كمثل الحصان الأبيض الذى يأخذهم إلى عالم تحقيق الأحلام.. إلى مصر، وكأنهم يعيشون فى مناطق لا اسم لها ولا أحلام فيها، وأن هذا القطار القادم من بعيد هو الذى سيعود بهم إلى أرض الأحلام فى مصر!
وتجربتى، كصعيدى، مع قطار الصعيد هى نفس تجربة رحلة الصعيدى الأول الذى استخدم القطار للسفر إلى مصر، بعد أن كان الوصول إليها من رابع المستحيلات لأن الكثير من أهالى الصعيد قبل تيسير القطار كانوا لا يعرفون أن هناك بلدا آخر اسمه القاهرة، والقليل منهم الذى يعرف كانت الوسيلة الوحيدة للوصول إليها هى المراكب المحملة بالبضائع حيث لم تكن المراكب فى الأصل وسيلة لنقل البشر ولكن للبضائع!
وحكايتى مع قطار الصعيد مليئة بمئات الحكايات، حيث كان القطار يقطع المسافة من الصعيد إلى مصر فى أكثر من 18 ساعة وفى أوقات 20 و24 ساعة يعنى يمكن أن تظل جالسا فى القطار يوما كاملا وإذا كانت السكة فيها أعطال يمكن أن تمتد الرحلة من الصعيد إلى مصر وبالعكس لأكثر من يوم ونصف أو يومين!
يعنى حياة كاملة تعيشها وسط مسافرين غرباء لا تعرفهم عندما تستقل القطار ولكن عندما تصل إلى المحطة النهائية فى باب الحديد، رمسيس فيما بعد، تكون عرفتهم جيدا وأكلت وشربت معهم وتبادلت معهم الحكايات لتسلية الوقت وكسر حالة الملل والسكوت الصعب وأصبحوا أصدقاء كأنك تعرفهم منذ ألف عام!
آلاف الحكايات تسمعها فى القطار المسافر إلى مصر أو العائد منها، ومئات العلاقات الإنسانية والتجارية والزواج والمصاهرة والصفقات تتم خلال رحلة السفر على متن قطار الصعيد.. فيها حكايات سعيدة وأخرى حزينة ومأساوية.. تسمع وترى أحلاما فى عيون المسافرين إلى مصر، وتسمع وترى مآسى من العائدين منها بكل إحباطاتهم وخسائرهم لفشلهم فى تحقيق أحلامهم وتسمع وترى مئات الحكايات من العائدين مؤقتًا لزيارة الأهل والأحباب بقصص عن النجاحات فى تحقيق الاحلام!
القطار فى الصعيد لم يكن مجرد إنجاز حضارى بل وإنسانى تحقق منذ أكثر من 170 عاما مضت على تسيير أول قطار سكك حديدية فى مصر، حيث كان أول خط سكك حديد فى مصر عام 1854، وكان يربط بين مدينتى القاهرة وكفر الزيات، ثم تبع ذلك اكتمال خط سكة الحديد الأول بين العاصمة القاهرة ومدينة الإسكندرية عام 1856، ثم تم مد خطوط أخرى بين القاهرة والسويس، والقاهرة وبورسعيد، وفى عام 1887 بدأ العمل فى خط سكة الحديد بين القاهرة وصعيد مصر!
وطوال رحلاتى من مدينتى نجع حمادى إلى القاهرة وبالعكس، سمعت عشرات الحكايات من المسافرين الصعايدة، التى سأرويها تباعًا، فقد كانت أول رحلة فى طفولتى مع والدىّ فى قطار عرباته عبارة عن كبائن من خشب، حيث يجلس كل ستة ركاب فى كبينة مغلقة، فيها كنبتان متواجهتان وكان الكمسارى يأتى للتأكد من التذاكر فى بدلة رسمية زرقاء على ما أذكر وعلى رأسه كاب وكأنه ضابط شرطة أو طيار.. وبعد ذلك سافرت وأنا صبى مع أشقائى وكانوا فى الجيش وقتها وكانوا يضعوننى تحت الكرسى عندما يأتى الكمسارى بقميص وبنطلون أكل الدهر عليهما وشرب وتكاد ملابسه تستره من الزحام الشديد للقطار وكان يأتى مرة واحدة أو مرتين على الأكثر ليتحقق من أن الركاب معهم تذاكر.. وفى مرحلة الشباب عرفت قطار الدرجة الثالثة القشاش الذى يقف فى كل محطة قرية ومدينة بطول ألف كيلو متر تقريبا وكان يأخذ الرحلة فى 20 و24 ساعة، إلى أن ظهر قطار المجرى بعربتين مكيفتين وذلك كان أعظم اختراع للنظام بعد الفوضى حيث تجلس على كرسى برقم ومحجوز مسبقا بأيام قبل أن تركب القطار ومع ذلك كان من العادى أن تجد مسافرا آخر حاجزا نفس الكرسى وبنفس الرقم لتظل واقفا طوال 8 أو 10 ساعات وكأن هذا النظام كان بداية الفساد!
[email protected]