د. أماني سليمان تكشف لـ "الوفد" كواليس النظرة الصينية لزيارة "ترامب" وحقيقة "فخ الديون" في أفريقيا
أستاذة التاريخ الحديث لـ "الوفد" : القاهرة صاغت توازناً ذكياً بين القطبين.. وبكين تدير صراعاتها بـ "نفس طويل"
الشباب الصيني يعشق التقدم العلمي الأمريكي ويرفض أسلوب الحياة الذي يقدس الفردية
الصين ترفض الهيمنة القطبية والحرب على إيران مخطط لإرباك بكين وقطع سلسلة "الحزام والطريق"
في عالم يتبدل جلده نحو "تعددية الأقطاب"، تبرز الصين وروسيا كلاعبين محوريين يسعيان لكسر الهيمنة الغربية. وفي قلب هذا المشهد المعقد، تنجح الخارجية المصرية في صياغة نموذج فريد من "التوازن والندية" بين واشنطن وبكين، جعل من القاهرة شريكاً استراتيجياً لبكين ووسيطاً موثوقاً لواشنطن في آن واحد.
وفي حوارها مع "الوفد"، أكدت الدكتورة أماني سليمان، أستاذة التاريخ الحديث والعلاقات الدولية في بكين، أن عبقرية الإدارة المصرية تكمن في الابتعاد عن "المعارك الصوتية" والتركيز على تعظيم المصالح القومية في قلب صراع القوى، محذرة من استبدال قطب واحد بآخر، وموضحة أن المطلوب هو أقطاب متعددة الرؤى قائمة على الاحترام المتبادل. كما فندت سليمان سردية "فخ الديون" الصيني في أفريقيا، كاشفة عن أبعاد الصراع التكنولوجي المحموم وتأثير الانقسامات العربية على نقل التكنولوجيا الفائقة، في حديث يغوص في أعماق التفكير الاستراتيجي للتنين الصيني ونظرته للقوى الإقليمية والدولية.
وإلى نص الحوار:
س: منصات التواصل الاجتماعي شهدت اهتمام بالغ يكواليس زيارة دونالد ترامب لبكين، ووصفت مشهد تخلص الوفد الأمريكي علناً من الهدايا والهواتف الصينية أسفل الطائرة الرئاسية خوفاً من التجسس الإلكتروني... من واقع معايشتك اليومية في بكين، كيف يرى الشارع الصيني شخصية "ترامب"؟ وكيف تعامل الإعلام الرسمي مع هذه السلوكيات؟
بدايةً، يجب فهم طبيعة الميديا في الصين؛ فهي ميديا متحفظة بطبعها بشكل كبير جداً، لذا فإن الحديث عن تفاصيل مثل إلقاء الهدايا أو التخلص منها أمر لن تجديه مطروحاً في الإعلام الرسمي الصيني. مثل هذه الأخبار والمناوشات قد تظهر في ميديا هونج كونج، أو تايوان، أو سنغافورة، وهي جهات تكتب باللغة الصينية لكنها لا تمثل الخط الرسمي للدولة.
أما بالنسبة للجمهور والشارع الصيني، فهو يتفاعل بنوع من الاستخفاف والفكاهة مع شخصية دونالد ترامب وتصرفاته التي توصف بالكوميدية أحياناً. وتجدين هذا بوضوح على منصات التواصل مثل "ويبو"، حيث يجرى تقديم ما يسمى بـ "البارودي" أو التقليد الساخر لتصرفاته وطريقة كلامه. ورغم أن هذه المنصات تخضع لإشراف حكومي، إلا أن الصينيين ينظرون إليه كشخصية مثيرة للجدل كما يراه العالم أجمع. لكن هناك إدراك صيني عميق وواعٍ لخطورة الزيارة وتوقيتها؛ فهم يقدرون تماماً معنى أن يترك رئيس أكبر دولة في العالم كل انشغالاته ليزور بلدهم، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية للحدث في حساباتهم.
س: تشير تقارير مراكز الفكر في بكين إلى تحول النظرة الشعبية للولايات المتحدة من "الإعجاب بالنموذج" إلى "التنافس الندي" الشرس.. إلى أي مدى ساهمت هذه الأجواء في إذكاء الروح الوطنية لدى الأجيال الصينية الشابة؟ وكيف ينعكس ذلك على موقفهم من الشركات الأمريكية؟
العلاقة معقدة ومزدوجة؛ فرغم التنافس الحاد، لا يزال هناك قدر كبير من الإعجاب لدى الشباب الصيني بالولايات المتحدة، ويظل حلم الكثيرين منهم هو الدراسة هناك. الشباب الصيني يطمح للجمع بين النمط الصيني في الانضباط والالتزام بالعمل، وبين التقدم العلمي وروح الابتكار الأمريكية. وتاريخياً، بدأ الصراع أيديولوجياً منذ الخمسينيات، حيث رفضت أمريكا الاعتراف بالصين الشعبية لمدة 30 عاماً (حتى 1979)، وهذا ترك جراحاً غائرة في الوجدان الصيني، واليوم تحول الخلاف إلى ندية ومنافسة على الزعامة الاقتصادية والعلمية.
والمثير أن الشباب الصيني الذي يدرس في أمريكا يصر في الغالب على العودة للصين لتطبيق ما تعلمه؛ فهم برغم إعجابهم بالتقدم العلمي في أمريكا، إلا أنهم يرفضون أسلوب الحياة الأمريكي الذي يقدس الفردية ويبتعد عن قيم العائلة الصينية. هم عمليون جداً، يريدون نقل التكنولوجيا وتطوير بلدهم دون الانصهار في المجتمع الأمريكي، وهذا يذكي روحهم الوطنية حيث يطمحون للتفوق على النموذج الأمريكي بأدواته العلمية ذاتها.
س: في ظل الاستقطاب العالمي الراهن، تحاول العديد من القوى الإقليمية الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الخارجية.. كيف تقيمين الدبلوماسية المصرية في موازنتها الذكية بين الشريك الاقتصادي الصيني والحليف الأمريكي التقليدي؟
القيادة السياسية المصرية تعي ثقلها الإقليمي جيداً كقوة محورية في المنطقة، وهي تتبنى منذ عام 2015 سياسة "التنويع والتوازن والندية" في العلاقات الخارجية، ونأى بها ذلك عن الانجرار إلى المعارك الصوتية أو المهاترات التصريحية. نحن نرى مصر تجري مناورات "النجم الساطع" مع أمريكا منذ عقود، وفي ذات الوقت بدأت مناورات عسكرية مع الجيش الصيني.
واقتصادياً، نحن شريك رئيسي في مبادرة "الحزام والطريق" وانضممنا إلى تكتل "البريكس" مطلع عام 2024. ومن واقع وجودي في بكين، هناك اهتمام صيني بإقليم قناة السويس. ومع ذلك، تظل القاهرة وسيطاً موثوقاً وحليفاً لا غنى عنه لدى واشنطن في أزمات وقرارات الشرق الأوسط. قدرة الإدارة المصرية على نيل ثقة الأطراف المتناقضة دون الانزلاق إلى فخ التبعية هو نجاح مبهر، ويؤكد أنها تدير علاقاتها بذكاء يضمن الاستفادة من العالمين.
س: أُعلِن رسمياً عن تأجيل القمة العربية الصينية، في وقت يستهدف فيه المنتدى التنفيذي المشترك نقل التكنولوجيا الفائقة والذكاء الاصطناعي.. كيف قرأت الأوساط السياسية هذا التأجيل؟ وهل ترى بكين أن الشركاء العرب مستعدون فعلياً لاستيعاب هذه التكنولوجيا؟
التأجيل يعود لسببين أساسيين؛ الأول تقني، حيث إن نقل التكنولوجيا الفائقة والذكاء الاصطناعي يتطلب بنية تحتية ولوجستية وتأمينية معينة قد لا تكون متوفرة بالقدر الكافي في كل الدول العربية حالياً. السبب الثاني سياسي بامتياز، وهو الانقسامات العربية الواضحة؛ فالصين لا تتعامل مع الكتلة العربية ككيان واحد، والواقع يظهر تشتتاً واختلافاً في الرؤى والأهداف زادت حدته جراء الصراعات الراهنة والحرب الإيرانية . هذا التشتت يجعل كل دولة عربية تتحدث باسمها منفردة، مما يضعف في النهاية الموقف الجماعي العربي وقدرته التفاوضية على ملفات تقنية واقتصادية استراتيجية فائقة الأهمية.
س: تؤكد مخرجات المؤتمرات المشتركة الأخيرة بالقاهرة على ضرورة صياغة سردية إعلامية موحدة لقضايا الجنوب العالمي في مواجهة الهيمنة الإعلامية الغربية.. كيف يمكن تحقيق ذلك؟ وهل يشكل التقارب العربي الصيني قوة جديدة لمواجهة القطب الواحد؟
نحن نعيش لحظة تاريخية فارقة تتمحور حول صياغة نظام دولي متعدد الأقطاب يهدف إلى كسر احتكار "الصوت الواحد" والهيمنة القطبية الواحدة، والبلدان العربية يمكنها أن تلعب دوراً مؤثراً بجوار هذه القوى لاستعادة التوازن الدولي. ومع ذلك، أؤكد أن الجوهر الحقيقي لهذا التحول لا يكمن في مجرد استبدال "هيمنة شمالية" بـ "هيمنة جنوبية" وفرضها على الجميع، بل في إرساء مبدأ "تعدد الرؤى" كبديل للصراع القطبي، بحيث تحترم كافة المصالح المختلفة بعيداً عن التبعية.
وتواجه "سردية الجنوب" تحديات حقيقية؛ أولاً لأنها تفتقر إلى الوحدة، وثانياً لأن الكثير من أنظمتها قد لا تدعم حرية التعبير بالقدر الكافي، مما يسهل على الغرب التشكيك في مصداقيتها واعتبارها تعبيراً عن إرادة غير حرة للشعوب. لذا، فإن الطريق نحو عالم عادل يمر عبر الاحترام المتبادل للمصالح، وتعزيز دور القانون الدولي والأمم المتحدة.
س: تتبنى بكين استراتيجية تمويل ضخمة للبنى التحتية في أفريقيا عبر منتدى (FOCAC)، وسط اتهامات غربية مستمرة بـ "دبلوماسية فخ الديون"... ما حقيقة هذا الفخ؟ وكيف ينظر المواطن الصيني العادي إلى حجم هذه القروض الخارجية؟
مصطلح "فخ الديون" هو "بروباجندا غربية" ممنهجة؛ فالغرب الذي استعمر القارة الأفريقية لقرون ونهب خيراتها يجد صعوبة الآن في تقبل قيادة الصين للتنمية هناك. الصين ليست "جمعية خيرية" لتعطي منحاً لا ترد، بل هي شريك عملي يضع خططاً خمسية ودراسات جدوى لعقود قادمة، والاستثمار هناك يعد باب تشغيل لمئات الآلاف من الصينيين، وفي الوقت ذاته يحقق التنمية للدول الأفريقية.
والسؤال الصيني الدائم والمطروح هنا: "ما هو البديل الغربي؟". إذا كان الغرب يرفض دور الصين، فليقدم هو قروضاً حسنة أو يبني المطارات والموانئ مجاناً. الحقيقة أن الروابط مع بكين أنقذت دولاً أفريقية عديدة من الفشل الكامل، ومن الطبيعي والمنطقي جداً أن تدير الصين بعض المنشآت مقابل أموالها لضمان استرداد ثروة شعبها.
س: دكتورة أماني سليمان، كيف ترين مستقبل هذا التوتر الدولي وتأثيره على ملفات منطقتنا العربية؟
الصين قوة محيرة للغرب، وهي واعية جداً لمحاولات استفزازها وجرها لفخاخ التدخلات الخارجية أو الحروب لتعطيل مسيرتها التنموية. الحرب على إيران، على سبيل المثال، هي في جزء منها مخطط لإرباك بكين وقطع سلسلة "الحزام والطريق" التي تربطها بمنطقة الخليج. الصين تفهم هذا المخطط جيداً، لذا تواجه هذه الاستفزازات بالصبر والصمت، وتفضل التزام دور الوسيط والحوار البناء لحماية مصالحها التنموية بعيداً عن الانجرار للصراعات العسكرية المباشرة، وتدير ملفاتها برؤية ونفس استراتيجي طويل يمتد لعقود.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض