لعل وعسى
تناولنا فى المقال السابق أن التوسع فى مشروعات الطاقة المتجددة فى مصر يمثل ركيزة أساسية لتحقيق رؤية مصر 2030، وتحويل مصر الى مركز لقيادة الطاقة الخضراء، من خلال عدة محاور رئيسية، منها ضرورة تعظيم العوائد الاقتصادية وتوفير العملة الأجنبية، بالتوازى مع جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مع عدم إغفال الجانب البيئى وتقليل الإنبعاثات كضمانة لتحقيق إستدامة وأمن الطاقة، وهذا بالطبع يعزز عملية الإصلاح الاقتصادى الثالثة لمصر والتى ستنطلق فى نوفمبر من هذا العام إن شاء الله ، والتى من المتوقع أن تركز على إستمرار عملية توطين الصناعة وخلق فرص العمل، عبر التوسع فى هذه المشروعات، والتى ستتيح فرصة ذهبية لتوطين صناعة تكنولوجيا الطاقة المتجددة محلياً فى المصانع المصرية، ودعم عجلة الإنتاج فى ظل تحديات رئيسية تتمثل فى التكلفة الاستثمارية الأولية، واحتياج بعض الصناعات إلى تشغيل مستمر على مدار الساعة، وضرورة توفير تمويل مناسب وحلول فنية مرنة لكل قطاع، لذلك فإن التنفيذ يجب أن يتم تدريجياً ،ومن خلال نماذج عملية، مثل محطات الطاقة الشمسية المجمعة داخل المناطق الصناعية، وتفعيل دور شركات كفاءة الطاقة، وتوفير خطوط تمويل ميسرة، والتوسع فى تطبيق نظم إدارة الطاقة وفق معيار ISO 50001. وما يجب أن نؤكد عليه هو أن مشروعات الطاقة المتجددة أصبحت ضرورة إقتصادية وبيئية وليس مجرد بديل، فى ظل تجاوز الإستثمارات العالمية 800 مليار دولار سنوياً وتفوقها على الوقود الأحفورى، ففى عام 2025، بلغ إجمالى الإستثمار فى الطاقة المتجددة عالميا -بما فى ذلك مصادر الطاقة المتجددة وتخزين الكهرباء وتحسين الشبكات- ما يقارب 2.2 تريليون دولار أمريكى، أى ضعف المبلغ الموجه نحو الوقود الأحفورى والفحم والنفط والغاز الطبيعى، بزيادة على تريليونى دولار أمريكى فى العام السابق. وهو ما يجعل هذه الإستثمارات تتجاوز مرحلة النمو المبكرة، وتدخل المرحلة الهيكلية، التى تتحدد بالحجم والجدوى الإقتصادية، وتدفقات رأس المال المستدامة، بدلاً من السياسات وحدها.وهو ما يجعل المستقبل يتجه نحو الإستثمار فى الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وتخزين البطاريات، وتطوير الهيدروجين الأخضر. لذا فإن السعى الوطنى أصبح ضرورة نحو تحويل هذه التحديات إلى فرص حقيقية، حيث تستهدف مصر الوصول بنسبة الطاقة المتجددة إلى 42%من مزيج الطاقة بحلول 2030 بإستثمارات تقدر بـ 60 مليار دولار، مدعومة بالتركيز على مشروعات الطاقة المتجددة التى تعد إستثمارا طويل الأمد فى مستقبل الإقتصاد الوطني،مع إتاحة إمكانية التداول فى السلع وصناديق الاستثمار المتداولة (ETFs) التى تركز على أسهم الطاقة الخضراء لضمان توفير طاقة نظيفة ومستدامة تدعم خطط التنمية الشاملة فى مختلف المحافظات المصرية. وهو ما يؤكد أن تصاعد التوترات الإقليمية وإضطراب أسواق النفط وسلاسل الإمداد، سيوجه الأنظار إلى الشمس بإعتبارها المصدر الأكثر إستقراراً وأمانا لتأمين إحتياجات الزراعة والصناعة، وتقليل الاعتماد على الخارج. ويؤكد أيضًا أن هذا التحول لم يعد مجرد توجه بيئى أو رفاهية تنموية، بل أصبح جزءا من مفهوم الأمن القومى الشامل، كى يفتح آفاقاً واسعة للإستثمار، علاوة على توفير فرص عمل جديدة فى مجالات التصنيع والتركيب والصيانة، إلى جانب دعم توطين الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة، مثل إنتاج الألواح الشمسية ومكوناتها، بما يسهم فى بناء قاعدة صناعية قوية قادرة على المنافسة إقليميا ودولياً.وهو ما يفتح الباب للتأكيد على أن النماذج العالمية الناجحة مثل الصين وألمانيا والهند وغيرها من الدول، تؤكد أن مصر لا تسير منفردة، بل تنافس ضمن سباق عالمى نحو الحياد الكربونى، مع بناء شراكات لنقل المعرفة وتعزيز موقعها فى منظومة الطاقة بل وقيادة مستقبل الطاقة النظيف.
رئيس المنتدى الإستراتيجى للتنمية والسلام
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض