رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

عود على بدء، الصناعات الصغيرة هى مفتاح شفرة الصين فى القضاء على الفقر بصورة كاملة، وأعنى الفقر الذى لا يمكن أصحابه من العيش بصورة آدمية طبيعة متمتعًا بكل الخدمات الأساسية من مياه، كهرباء، غاز، صرف صحى، بيوت آدمية، وقبل هذا طعام وشراب يبلغ حد الكفاية، وقام مفهوم القضاء على حدية الفقر فى الصين على مبدأ أساسى وهو وضع حلول مخصصة لكل أسرة فقيرة حسب ظروفها الخاصة، وتبدأ العملية بجمع البيانات ميدانيًا للأسر الفقيرة، ويتم فى البيانات تسجيل مستوى الدخل، التعليم، الصحة، أسباب الفقر، وقد أتاح هذا النظام الديناميكى لإدارة المعلومات وصول المساعدات بشكل دقيق وفعّال للمستحقين وتحديد العلاج المناسب لفقر كل أسرة، بعيدًا عن الأساليب الموحدة للدعم والتى لا تراعى الفروق فى مستويات الفقر أو الفروق الاجتماعية الأخرى.
وفى هذا تحصل كل أسرة فقيرة على دعم مخصص يتلاءم معها ومع ظروف معيشتها والبيئة المحيطة بها، ففى القرى مثلا تم تقديم مستلزمات زراعية، مواشى، تدريب لمهارات الزراعة ورعى المواشى بجانب قروض صغيرة لدعم وتنمية هذه الأعمال، بجانب توفير الطاقة بأسعار رخيصة لهم لتيسير مجالات أعمالهم وذلك عبر الطاقة الشمسية، والأسر الريفية التى لا تريد مجال الزراعة والرعى للخروج من الفقر، تم تيسير وصولهم للعمل فى المدن القريبة لقراهم سواء فى المصانع أو الشركات المتاحة، ولا يفوتنى فى هذا التذكير دائما أن علاج الفقر هنا كان يسير معه على التوازى تمامًا استثمار الصين بكثافة فى التعليم، الرعاية الصحية، والإسكان، والبنية التحتية، الخدمات العامة الأساسية.
أما علاج الفقر فى المدن والتجمعات السكانية المزدحمة، كما أشرت كان عبر توجيه المواطنين للصناعات الصغيرة، وإمدادهم إما بمعونات لا ترد، أو قروض ميسرة السداد بلا فوائد، مع مساعدتهم بالتدريب والخبرات من أجل إنجاح صناعاتهم الصغيرة، وبالطبع سار أيضًا على التوازى.
فتح أسواق فى العالم لهذه المنتجات والسلع، ويتم التعامل مع المنتجين الصغار إما بفتح مجال التصدير أمامهم من خلال شركات تجمع منهم منتجاتهم وتدفع لهم ثمنها على أن تتولى هذه الشركات التصدير، أو أن الدولة نفسها تتولى ذلك بشكل رسمى، بحيث لا يتم ترك المنتجين الصغار فى حيرة من أمرهم لا يعرفون الطريق الصحيح لبيع منتجاتهم بأسعار تعود عليهم بمكسب مناسب، وهذا الأمر وفر للصين عملات أجنبية، وزاد من الدخل القومى.
ولا يعنى التركيز على الصناعات الصغيرة إهمال الصناعات الكبيرة التى تتولاها الدولة من مشروعات وطنية كبرى تعتمد أيضا على توفير الكفاية المحلية أولًا، ومن ثم التصدير للخارج، ولا المشروعات المتوسطة، والتى تعتمد على تصنيع منتجات الحديد والصلب والكهرباء، ألياف النسيج الصناعية، المنتجات الكيماوية اللدائن ومنتجاتها، المنتجات الإلكترونية بكافة أنواعها والتى برعت فيها الصين بشكل مذهل.
وعندما يشهد البنك الدولى للصين أنها انتشلت800 مليون مواطن من براثن الفقر وحققت التنمية المستدامة عشر سنوات مبكرًا عام 2020 عن خطة الأمم المتحدة لعام 2030، فهذا يعنى أنها حققت انتصارًا فريدًا لم تحققه دولة أخرى فى العالم خلال فترة قياسية، وأن حربها ضد الفقر كانت على مسارات متعددة الأوجه بجانب كونها خطة ممتدة لعقود طويلة لا يمكن هزيمتها بأى متغير اقتصادى داخلى ولا انعكاس لأزمات اقتصادية خارجية أو اهتزازات عالمية، وذلك عبر ما أطلقت عليه الصين اسم « التأمين ضد العودة للفقر» أى حماية المكتسبات التى حققها المواطنون فى رحلة الإفلات من الفقر وضمان عدم حدوث ردة أو انهيار يعود بمعدلات الفقر إلى نسب سابقة.
وهذا التأمين ضد العودة للفقر تمثل فى التركيز على القطاع الصناعى للصناعات الصغيرة كما سبق القول، تحقيق التعويض البيئى للفقراء بنقلهم من أماكن عشوائية صعبة إلى أماكن أخرى آدمية، وتنشيط الريف بإدخال الخدمات المطلوبة إليه لإنهاء عزلته وربطه بالمدن والأماكن الأخرى التى يمكن تسويق منتجات الأسر الريفية من خلالها، تقديم ضمانات اجتماعية لتكريس شبكة الأمان هذه، حيث تم إزالة كل المقاطعات الفقيرة واستبدالها بمقطعات أخرى حديثة ومتطورة الخدمات، وتنمية القرى الفقيرة والتى تصل إلى 128 ألف قرية، تنفيذ خطط مؤسسية تضمن الشمولية وعدالة توزيع الثروة، الاهتمام بالتعليم وتطويره كصمام أمان للمجتمع للتمسك بمفاهيم التطور فى العمل والإنتاج على أساس علمى وتدريبى ممنهج، الرعاية الصحية، والإسكان، توفير مياه الشرب، الاستثمار فى البنية التحتية، مثل الطرق، الكهرباء، والإنترنت فى المناطق الريفية لربطها بالأسواق، ليتم ضمان الجودة التنموية وصمود الخروج من الفقر أمام أى انهيارات اقتصادية محتملة خاصة من الخارج.
وفى إطار عام وضعت الصين أساسا قويا كنموذج للـ «الحوكمة «والتى نعنى بها وضع مجموعة من القواعد، والسياسات والإجراءات لتوجيه المؤسسات المختلفة وإدارتها والرقابة عليها لتحقيق الشفافية، المساءلة، العدالة وضمان توازن المصالح بين جميع الأطراف المعنية من إدارة، موظفين، مساهمين، وعملاء.
علاوة على ذلك، أنشأت الصين أكبر نظام للضمان الاجتماعى فى العالم، يشارك فيه 1.07 مليار شخص فى التأمين الأساسى للشيخوخة، وأكثر من 1.32 مليار شخص فى التأمين الصحى الأساسى، وتتزايد كثافة هذه «الشبكة الآمنة» باستمرار، مما يضمن عدم وقوع أى شخص فى براثن اليأس بسبب المرض أو الكوارث أو الحوادث التى قد تواجه مما قد يدفع به إلى دائرة الفقر.
لذا لم يكن غريبا أن تعلن الصين رسميًا فى مطلع عام 2021 عن تحقيق الانتصار على الفقر المدقع فى البلاد، والخروج من زمرة الدول الفقيرة إلى مصاف الدول الغنية لتتصدر المرتبة الأولى عالميًا فى الصادرات بما بلغ نحو 3.77 تريليون دولار أمريكى فى العام الماضى 2025، ولتسجل فائضًا تجاريًا قياسيًا تجاوز 1 تريليون دولار تستحوذ فيها على أكثر من 15% من صادرات السلع العالمية الهامة المتعلقة بعالم المواصلات والاتصالات كالسيارات، الهواتف الذكية، والحواسيب، والمثير فى الأمر أن الصين لم تتأثر كثيرًا فى صادراتها بالتوترات التجارية الدولية التى استشرت فى العالم فى السنوات الأخيرة بسبب خطتها فى التأمين ضد العودة للفقر.
المدهش أن جهود الصين فى القضاء على الفقر لديها ساهم فى انخفاض معلات الفقر العالمية، لمحاولة دول أخرى انتهاج نفس الأسلوب فى تسريع جهود محاربة الفقر.
وللحديث بقية

[email protected]