رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

قضية ورأى

مهما تبدل الزمان، تظل المحاور الستة لشهوات الدنيا، هى النساء، البنين، القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، الخيل المسومة، الأنعام، والحرث.
وتتطور المحاور، كأن تتحول قناطير الذهب والفضة إلى أسهم وسندات ورصيد بنكى مليارى، أو تتحول الخيل المسومة إلى سيارة رولز رويس طراز «لا روز نوار دروبتيل» ثمنها 1.4 مليار جنيه مصرى، قبل الجمارك طبعا.
لكن لا يستوى الناس فى مقاومة الشهوات.
يمثل النبى إبراهيم، ذروة المقاومة، باعتبار أن قليلين هم القادرون على ترك الشهوة والتعلق، بينما إبراهيم ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، وهو ذبح الرمز ممثلا فى ابنه الوحيد «إسماعيل»، حتى يكون المحبوب قربانًا لله.
تلّ إبراهيم ابنه للجبين، ونزع من قلبه غريزة التعلق بالبنين، ونُزعت من قلب الابن غريزة التعلق بالدنيا وشهواتها الست.. وضجت ملائكة السماء تضرعًا وخشوعًا لهذا الابتلاء الشديد.
ثم فى لحظة التسليم، جاء الفدو الإلهى، بكبش عظيم، إذ لم تعد هناك حاجة لإراقة الدم البشرى؛ فالهدف من الابتلاء قد تحقق وهو تمام التسليم.
ربما يرى كثيرون أن حياة السياسيين هى قمة التعلق بشهوات الدنيا الست التى تجتمع تحت عنوان واحد هو شهوة السلطة والحكم.
فالسلطة طوال التاريخ الإنسانى، تعنى امتلاك النساء والبنين والأموال والمركبات والطائرات ومزارع الأنعام وآلاف الأفدنة والهكتارات.. لا فرق فى ذلك بين الفراعنة وملك بلجيكا الذى كان حتى وقت قريب يملك دولة الكونغو ملكية خاصة له وليس لدولة بلجيكا.
لكن الحقيقة، أن الشهوات كما هى غريزة إنسانية، فإن مقاومتها غريزة إنسانية مطلقة أيضا.
فقد ألهم الله، كل نفس فجورها وتقواها، وأبقى المقاومة فى يد كل شخص.
لكن تختلف درجات المقاومة..
أتوقف كثيرا، عند تاريخ النحاس باشا، الذى أطلق عليه عباس محمود العقاد لقب «نبى الوطنية».
لم يكن اللقب تقليلًا من شأن النبوة الدينية بالطبع، بل كان تعبيرًا مجازيًا بليغًا عن الأمانة المطلقة، والتضحية الكاملة، والتمسك الدستورى الصارم الذى اتسمت به مسيرته.
تولى «النحاس» رئاسة وزراء مصر 7 مرات، وتعرض لـ7 محاولات اغتيال.. ومع ذلك مات فى فراشه، مستورا لا يملك سوى منزله ومعاشه من القضاء.
حوّل «النحاس» العمل السياسى من مجرد مناورات حزبية تبحث عن تجميع شهوات الدنيا الست أى السلطة، إلى «عقيدة وطنية» قائمة على التضحية، والصدق، ونقاء السريرية، والوفاء بالعهد للشعب.
كان «النحاس» لا يترك الصلاة، وتأخر عن حلف اليمين فى آخر وزارة وفدية عام 1950 بسبب الصلاة قائلا: «ميعاد ربنا أهم من ميعاد الملك».
فى إحدى محاولات اغتيال النحاس، التى نفذها الحرس الحديد بقيادة الضابط مصطفى صدقى، انفجرت سيارة مفخخة أمام منزل الزعيم ودمرت واجهته، وطارت شظية ضخمة دخلت من الشباك واستقرت معلقة فى «ناموسية السرير»، وربما هذا ما دفع الرئيس عبدالناصر ليقول عن النحاس بعدها بسنوات إنه رجل «فيه شىء لله».
عقب صدور قرار إلغاء الأحزاب سنة ١٩٥٣، وأيلولة أموالها للحكومة قام النحاس باشا بتسليم الحكومة 90 ألف جنيه (نصف مليار جنيه بسعر اليوم).. هى أموال الوفد التى كانت لديه فى حقيبة خاصة.
رفض الباشا نصيحة أحد كبار الوفديين الذى أشار عليه بالاحتفاظ ولو بجزء من هذا المبلغ الكبير حينها، والذى لم يكن يعلم به إلا القليل. لكن النحاس صرخ فى وجهه قائلا: «ليس مالى وأنا لا أزال الآن كما كنت قاضيًا وأسكن فى شبرا، وغذائى طبق خضار والحلوى طبق بلح».
كَمْ حَسَّنَتْ النفس لَذَّة لِلْمَرءِ قاتِلَة، من حيثُ لم يدرِ أنَّ السُّمَّ فى الدَّسَمِ..
سلام على المحسنين.