في ذروة الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا عام 1942، لم تكن مصر تعيش فقط صراعًا سياسيًا مع الاحتلال البريطاني، بل كانت تواجه أيضًا واحدة من أعقد القضايا الاجتماعية والأخلاقية في تاريخها الحديث: قضية إلغاء بيوت الدعارة الرسمية.
ذلك الملف لم يكن شأنًا اجتماعيًا محدودًا كما قد يبدو اليوم، بل تحول إلى أزمة سياسية حقيقية وضعت حكومة الوفد برئاسة مصطفى النحاس باشا في مواجهة مباشرة مع القيادة البريطانية والسفارة الإنجليزية في القاهرة.
فبينما أعلن وزير الشؤون الاجتماعية عبد الحميد عبد الحق عزمه إلغاء نظام البغاء المرخص، رأت سلطات الاحتلال البريطاني أن القرار يمثل تهديدًا مباشرًا لمصالح القوات الأجنبية المتمركزة في مصر، خاصة مع تحول القاهرة خلال الحرب إلى مركز عسكري ضخم لعبور الجنود والجيوش القادمة من مختلف أنحاء الإمبراطورية البريطانية.
كانت بريطانيا تنظر إلى بيوت الدعارة باعتبارها “ضرورة عملية” لضبط أوضاع الجنود، بينما رأت حكومة الوفد أن استمرار هذا النظام يمثل إهانة للمجتمع المصري ووصمة أخلاقية لا يمكن السكوت عنها.
ومن هنا بدأ الصدام.
القاهرة في زمن الحرب.. مدينة تحت الضغط
في تلك الفترة، كانت القاهرة مدينة مثقلة بالحرب والفقر والتناقضات الاجتماعية.
تدفقت إليها قوات أجنبية من بريطانيا وأستراليا والهند وأفريقيا، وتحولت بعض أحيائها إلى مناطق مغلقة تدور فيها تجارة الجسد بشكل شبه علني تحت مظلة التراخيص الرسمية.
أحياء مثل الخزندار والتبكية وغيرها أصبحت معروفة بوجود بيوت مرخصة تعمل بصورة منظمة، بعضها يضم غرفًا صغيرة تفصل بين مكان استقبال الزبائن والغرف الداخلية التي تدور فيها حياة كاملة من البؤس والاستغلال.
وكشفت البيانات الرسمية آنذاك أن عدد النساء المسجلات رسميًا في هذا النشاط بلغ نحو 5600 امرأة داخل القاهرة وحدها، لكن سنوات الحرب وما صاحبها من انهيار اقتصادي وتدفق أجنبيات من بلاد الشام واليونان وإيطاليا وشمال أفريقيا، رفعت العدد إلى ما يتراوح بين 12 و14 ألف امرأة.
كان الأمر أكبر بكثير من مجرد “ظاهرة اجتماعية”، بل أصبح اقتصادًا سريًا كاملًا يعيش على الحرب والفقر والاحتلال.
الصحافة تدخل المناطق المحرمة،،
كيف خاض الصحفي الشاب محمد حسنين هيكل أول معاركه الاستقصائية داخل عالم القاهرة الخفي...؟
وسط هذا المناخ، كُلّف صحفي شاب في بداياته المهنية بإعداد تحقيق ميداني عن القضية لصالح إحدى المجلات الصحفية.
ذلك الشاب كان محمد حسنين هيكل، الذي لم يكن قد تجاوز سنواته الأولى في عالم الصحافة.
المهمة بدت مستحيلة.
فالمطلوب لم يكن كتابة انطباعات عامة أو نقل تصريحات رسمية، بل إجراء استقصاء حقيقي يعتمد على مقابلات مباشرة مع النساء العاملات في بيوت الدعارة، وجمع مئات الاستمارات الميدانية المرفقة بصور شخصية، لرصد آرائهن في قرار الحكومة بإلغاء البغاء.
كان ذلك النوع من العمل الصحفي جديدًا تمامًا على الصحافة المصرية في ذلك الوقت.
دخل هيكل الشاب عالمًا لم يكن يعرفه.
شوارع ضيقة، وبيوت مغلقة، ونساء يختبئن خلف الخوف أو السخرية أو العدوانية، ورجال يديرون هذا العالم بمنطق القوة والمصلحة.
في البداية، فشل في مجرد الحديث مع أي امرأة.
كان يدخل الشوارع ثم يخرج مرتبكًا، غير قادر على كسر الحاجز النفسي الهائل بينه وبين هذا العالم.
لكن الصدفة قادته إلى امرأة تُعرف داخل الحي باسم “المعلمة”، وكانت صاحبة نفوذ واسع داخل المنطقة.
ظنت في البداية أنه مفتش ضرائب أو مخبر تابع للحكومة بسبب الأوراق التي يحملها، لكنها بعدما فهمت طبيعة مهمته، قررت مساعدته بصورة غير متوقعة.
أمرت ابنها بأن يرافق الصحفي الشاب إلى البيوت المختلفة، وأن يسمح له بإجراء المقابلات واستكمال الاستمارات، بل وتوفير صور للسيدات اللاتي لم تكن لديهن صور شخصية.
خلال أيام قليلة، تمكن هيكل من إنجاز ما عجز عنه زملاؤه، وجمع مئات الشهادات التي رسمت صورة صادمة عن هذا العالم المغلق.
أصوات النساء التي لم يسمعها أحد
الجانب الأكثر أهمية في التحقيق لم يكن فقط الصدام السياسي بين الوفد والاحتلال، بل الأصوات الإنسانية للنساء أنفسهن.
كثيرات تحدثن عن الفقر، وعن الحرب، وعن غياب البدائل.
بعضهن دخلن هذا العالم هربًا من الجوع، وأخريات بفعل الخداع أو الانهيار الأسري أو الحاجة الاقتصادية.
وكانت المفارقة أن بعض النساء رفضن قرار الإلغاء، ليس دفاعًا عن المهنة، بل خوفًا من الضياع الكامل إذا أُغلقت البيوت دون توفير بديل اقتصادي أو اجتماعي.
وهنا ظهر التناقض الكبير داخل المجتمع المصري آنذاك:
الدولة تريد الإلغاء باسم الأخلاق، والاحتلال يريد الإبقاء باسم “مصلحة الجنود”، بينما النساء أنفسهن كن الحلقة الأضعف التي لا أحد يسألها ماذا تريد.
الوفد بين الوطنية وضغوط الاحتلال
أزمة عام 1942 كشفت أيضًا حدود السلطة الحقيقية لحكومة الوفد.
فعلى الرغم من الشعبية الكبيرة التي كان يتمتع بها حزب الوفد، فإن الاحتلال البريطاني ظل قادرًا على التدخل في أدق الملفات الداخلية للدولة المصرية.
وكانت السفارة البريطانية تضغط بقوة لمنع تنفيذ القرار، معتبرة أن إغلاق بيوت الدعارة قد يخلق مشكلات للقوات الأجنبية المنتشرة في مصر أثناء الحرب.
هكذا وجدت حكومة النحاس نفسها بين نارين:
الرأي العام الوطني الذي يطالب بالإلغاء، وضغوط الاحتلال الذي يتحكم فعليًا في المشهد السياسي والأمني.
ولادة صحفي كبير
ربما لم يكن أحد يتخيل وقتها أن ذلك الصحفي المرتبك الذي دخل أحياء القاهرة القديمة بخوف شديد، سيصبح لاحقًا واحدًا من أشهر الصحفيين في العالم العربي.
لكن تجربة عام 1942 صنعت جزءًا مهمًا من شخصية محمد حسنين هيكل الصحفية؛
الاقتراب من الملفات المحرمة، والنزول إلى الشارع، والبحث عن البشر خلف العناوين السياسية.
لقد أثبتت تلك التجربة المبكرة أن الصحافة ليست مجرد نقل أخبار، بل قدرة على كشف ما تحاول السلطة أو المجتمع إخفاءه.
ما الذي بقي من تلك المعركة؟
بعد أكثر من ثمانين عامًا، ما زالت تلك القضية تحمل دلالات عميقة تتجاوز زمنها:
أن الاحتلال لا يكتفي بالسيطرة السياسية، بل يتدخل أيضًا في تشكيل البنية الاجتماعية للمجتمعات الواقعة تحت نفوذه.
وأن الحكومات الوطنية، مهما امتلكت من شعبية، قد تجد نفسها عاجزة أمام توازنات القوة الدولية.
وأن الصحافة الحقيقية تبدأ دائمًا من الاقتراب من الإنسان، لا من المكاتب المغلقة.
كانت معركة إلغاء بيوت الدعارة عام 1942 واحدة من أكثر اللحظات تعقيدًا في تاريخ القاهرة الحديثة؛
لحظة اختلطت فيها السياسة بالأخلاق، والاحتلال بالفقر، والسلطة بالصحافة.
ومن بين كل تلك التناقضات، خرج اسم شاب اسمه محمد حسنين هيكل، ليبدأ رحلته الطويلة نحو العالمية من قلب الأزقة المنسية في القاهرة القديمة.،،!!
محمد سعد عبد اللطيف ،،
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ،،!!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض