لم يعد مقبولاً أن تظل مدينة الإنتاج الإعلامي تحمل اسماً كبيراً يفترض أنها تقود الصناعة، بينما واقعها الفعلي يكشف تراجعاً واضحاً في الدور والوظيفة والتأثير، فالمؤسسة التي كان يُفترض أن تكون أحد أعمدة الدراما والإنتاج المرئي في مصر كمشروع قومي، تحولت تدريجياً من كيان يصنع الحركة في السوق إلى مجرد مساحة تستقبلها، وهذا التحول ليس ملاحظة عادية، بل مؤشر على خلل أعمق في الرؤية والإدارة، وفي طريقة استثمار ما تملكه المدينة من إمكانات هائلة لم تُوظف كما ينبغي.
المشكلة ليست في الاسم ولكنه في الفجوة بين الاسم والواقع، فمدينة بهذا الحجم كان ينبغي أن تبقى لاعباً رئيسياً في صناعة الدراما، لا مجرد خلفية للتصوير أو محطة عبور لشركات الإنتاج الخاصة، لكن ما حدث هو العكس تماماً من انكماش الدور الإنتاجي، وتراجع الحضور الفعلي، فصارت المدينة أقرب إلى بنية تحتية خامدة أكثر من كونها مركزاً نابضا يفرض إيقاعه على السوق الإعلامية، والأخطر أن هذا التراجع جاء بالتدريج، حتى صار مألوفاً في الخطاب العام، وكأن انحسار الدور أمر يمكن تقبله أو التعايش معه.
هذا الانكماش لا يضر بصورة المدينة وحدها، بل يطرح سؤالاً أوسع عن معنى وجودها أصلاً إذا كانت لا تقود الإنتاج ولا تملك تأثيراً حقيقياً في الصناعة. فالمؤسسات الكبرى لا تُقاس بالأسماء التاريخية، بل بما تضيفه فعلياً إلى السوق، وبما تنتجه من قيمة، وبقدرتها على البقاء في قلب المنافسة لا على هامشها، وعندما تتحول مدينة الإنتاج الإعلامي من فاعل إلى متفرج، فإننا لا نكون أمام مجرد تراجع تشغيلي، بل أمام خسارة رمزية لموقع كان من المفترض أن يبقى محورياً.
والأشد إيلاماً أن هذا التراجع لم يأتِ نتيجة نقص في الإمكانات، بل نتيجة سوء توظيف لها، فالمدينة تمتلك أرضاً واستوديوهات ومرافق وبنية تحتية يمكن أن تجعلها مركزاً إقليمياً حقيقياً، لكن غياب الرؤية الإنتاجية الواضحة، وضعف المبادرة، وتآكل الدور مع الوقت، كلها عوامل جعلت هذه الأصول الكبيرة أقل تأثيراً مما كان متوقعاً، وبذلك لم تعد المشكلة في ما تملكه المدينة، بل في ما تعجز عن تحويله إلى نفوذ صناعي فعلي.
الكارثة الحقيقية أن يتراجع الدور، ثم يتراجع معه الإحساس بأن هذا التراجع مشكلة أصلاً، ولكن الحقيقة أن مدينة الإنتاج الإعلامي حين تفقد مركزيتها، فإن جزءاً من خريطة الصناعة نفسها يفقد توازنه، لأن وجودها لم يكن مجرد مساحة جغرافية، بل كان يفترض أن يكون رافعة للإنتاج، ومختبراً للتطوير، ومؤسسة تصنع الفارق، فأما حين يبهت هذا الدور، فلا يبقى سوى اسم كبير على لافتة أصغر من طموحها بكثير.
ولا يقف الأمر عند مجرد تراجع النشاط الإنتاجي، لأن المشكلة في الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، فالمسألة لا تتعلق فقط بعدد المسلسلات أو الأعمال التي خرجت من المدينة في سنة معينة، ولا حتى بحجم الحركة داخل الاستوديوهات، لكن تتعلق قبل كل شيء بفقدان المدينة لجزء مهم من معناها داخل الصناعة نفسها، فالمؤسسة التي كان يُفترض أن تكون واحدة من أهم ركائز الإنتاج الدرامي والمرئي في مصر، وأن تظل اسماً حاضراً بقوة في تشكيل المشهد الإعلامي، تبدو اليوم وكأنها انسحبت تدريجياً من هذا الدور، أو تركت هذا الدور يبهت مع الوقت من دون مقاومة حقيقية أو محاولة جدية لاستعادته.
ومن هنا يصبح السؤال المشروع: كيف لمؤسسة تملك هذا الحجم من الأصول، وهذه المساحة، وهذه الخبرة التراكمية، أن ينحسر دورها إلى هذا الحد؟ وكيف لمدينة بُنيت أصلاً على فكرة أن تكون مركزاً للإنتاج والتصوير والدراما والخدمات الفنية، أن تصبح أقرب إلى مساحة خدمية أو موقع استضافة أكثر من كونها كياناً يصنع الحركة بنفسه؟ هذه ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل إشارة إلى فجوة كبيرة بين ما كان يُفترض أن تكونه المدينة، وبين ما أصبحت عليه فعلاً بعد سنوات من التراجع البطيء.
والخسارة هنا لا تخص المدينة وحدها، لأن أي تراجع في دورها لا ينعكس عليها فقط، بل ينعكس على الصناعة كلها، فعندما تفقد مؤسسة بهذا الثقل موقعها القيادي، فإن السوق بأكمله يتأثر، لأن جزءاً من التوازن الذي كانت تضيفه يختفي، وعندما تتحول المدينة من فاعل رئيسي إلى فاعل ثانوي، فإن ذلك لا يعني فقط أنها خسرت بعضاً من بريقها، بل يعني أن الصناعة نفسها فقدت أحد مراكز ثقلها القديمة، فالمؤسسات الكبرى لا تُقاس فقط بما تملكه، بل بما تضيفه فعلياً إلى البيئة التي تعمل فيها.
ثم إن القضية لا تتوقف عند حدود الإنتاج الدرامي المباشر، ولذلك يمكن القول إن ما يحدث ليس مجرد ضعف في النشاط، بل نوع من التآكل التدريجي في الفكرة نفسها، فالمدينة التي كان اسمها مرتبط بالإنتاج أصبحت مطالبة اليوم بأن تشرح لماذا لم تعد تؤدي هذا الدور بنفس القوة، ولماذا صار حضورها أقل، ولماذا لم يعد لها ذلك التأثير الذي كان يُفترض أن يبقى ثابت، وهذه الأسئلة ليست صعبة ولكنها محرجة، لأنها تضع الإصبع مباشرة على موضع الخلل ليس في الاسم، بل في القدرة على الحفاظ على المعنى الذي يحمله الاسم.
وفي النهاية فإن أخطر ما في هذا كله أن التراجع حين يطول، يصبح الناس أقل حساسية تجاهه، ويبدأ الأمر كاستثناء، ثم يتحول إلى عادة، ثم إلى واقع لا يستدعي الانزعاج، وهنا تحديداً تكون الخسارة الحقيقية في أن تفقد المؤسسة حضورها أولاً، ثم يفقد الناس إحساسهم بأنها فقدت حضورها أصلاً، وهذه ربما تكون أقسى مرحلة في أي تراجع مؤسسي، لأنها تعني أن المشكلة لم تعد في أداء المدينة فقط، بل في تعامل الجميع مع هذا الأداء المتراجع باعتباره أمراً يمكن قبوله أو التعايش معه.
وللخروج من هذا المأزق لا يكفي التجميل اللغوي ولا التصريحات المتفائلة، ولا ينفع التعامل مع المدينة باعتبارها مجرد مالك لأرض أو مستودع استوديوهات يؤجرها وينتظر العائد آخر الشهر، فما تحتاجه المدينة فعلاً هو إعادة تعريف دورها بالكامل، والبداية الحقيقية تكون بأن تعود طرفاً فاعلاً في السوق لا مجرد متفرج عليه، وأن تدخل كشريك في الإنتاج، لا كممول سلبي أو مؤجر للمساحات، عندها فقط يمكن أن تستعيد جزءاً من مركزيتها، وأن تتحول من كيان يستضيف الحركة إلى كيان يصنعها.
كما أن إنقاذ هذا الأصل الكبير لا يمكن أن يتم بعقلية قديمة، فالعالم تغيّر وصناعة المحتوى نفسها تغيّرت، والاستوديوهات لم تعد مجرد غرف تصوير تقليدية، بل يمكن أن تتحول إلى منصات إنتاج رقمية وبيئات افتراضية قادرة على جذب شركات محلية وإقليمية ودولية تبحث عن بدائل أكثر تطوراً وأكثر كفاءة، وإذا كانت المدينة تريد أن تستعيد مكانتها، فلا بد أن تدخل هذه اللعبة الجديدة بأدوات جديدة، لا بنفس المنطق القديم الذي جعلها تتراجع أصلاً.
والأهم من كل ذلك هو كسر البيروقراطية التي تجعل التصوير عبئاً بدل أن يكون فرصة، فالمبدع أو الشركة أو المنصة لا تبحث فقط عن مكان جميل، بل عن مؤسسة مرنة، وسريعة، واضحة، لا تعقد الطريق ولا تقتل الحماس بالإجراءات، وإذا أرادت مدينة الإنتاج الإعلامي أن تعود إلى قلب المنافسة، فعليها أن تكون المكان الذي يختاره المنتجون لأنهم يربحون فيه الوقت والجهد والتكلفة، لا لأنهم مضطرون إليه، عندها فقط يمكن أن تستعيد القاهرة موقعاً كانت تستحقه، بدل أن تتركه لمدن أخرى نجحت في أن تكون أكثر مرونة وأكثر فهماً لسوق اليوم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض