رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الحكم والمقاصد الشرعية من شعيرة الأضحية

بوابة الوفد الإلكترونية

تمثل الأضحية نموذجًا تشريعيًّا فريدًا يجمع بين خالص التوحيد لله -تعالى- والامتثال لأمره، وبين تهذيب السلوك النفسي وبناء مجتمعٍ متراحمٍ متكافل؛ لتظل هذه الشعيرة برهانًا عمليًّا على أن مقاصد الإسلام تتكامل فيها مصالح العباد مع مراد الشارع وحكمته.

جوهر الأضحية

الأضحية في جوهرها عبادةٌ ذات أبعادٍ إيمانية ونفسية ومجتمعية عميقة، تتجاوز صورة النُّسُك المجرّد لتلامس فلسفة التشريع ومقاصده؛ وتتجلّى حِكم مشروعيتها ومقاصدها السامية في الأبعاد الآتية:


التقرّب إلى الله تعالى وإظهار التوحيد الخالص

إن المقصد الأساس والمحرك الأول لهذه الشعيرة يتمثل في امتثال أمر الله -سبحانه وتعالى- والتقرّب إليه بإراقة الدماء؛ تعبّدًا له وحده، وإظهار التوحيد الخالص بذكر اسمه جلّ وعلا عند الذبح؛ فالنسك هنا لا يقف عند كونه ذبحًا بقصد الأكل أو الانتفاع، بل هو عبادةٌ وطاعةٌ يُبتغى بها وجه الله -تعالى- ونيل مرضاته، وترسيخ معاني الإخلاص والخضوع له سبحانه، قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ﴾ [الكوثر: ٢]، وقال عز وجل: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِی وَنُسُكِی وَمَحۡیَایَ وَمَمَاتِی لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِینَ ۝١٦٢ لَا شَرِیكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِینَ ۝١٦٣﴾ [الأنعام: ١٦٢-١٦٣].

ويؤكد هذا الإخلاص والتجرّد البعدَ الروحي والمقصدَ الإيماني لهذه الشعيرة؛ فالأضحية لا تُطلب لذاتها ولا للحومها، وإنما لما تُحدثه في قلب العبد من تعظيمٍ لله - تعالى - وتجريدٍ للتوحيد، وصدقِ الامتثال لأمره سبحانه، ومن ثمّ تغدو شاهدًا على صدق الإيمان، وسرعة الاستجابة لما يحبه الله ويرضاه، قال تعالى: ﴿لَن یَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاۤؤُهَا وَلَٰكِن یَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ﴾ [الحج: ٣٧].


إحياء سنة الخليل إبراهيم عليه السلام واستلهام معاني الفداء والتسليم

تُعدّ الأضحية في أصل تشريعها تذكيرًا بحدثٍ إيمانيٍّ عظيم، وإحياءً لسنة الخليل إبراهيم -عليه السلام- حين ابتلاه الله -تعالى- بأمره بذبح ولده إسماعيل -عليه السلام- ثم فداه بذبحٍ عظيم يوم النحر؛ ومن ثمّ أصبحت هذه الشعيرة تجسيدًا لمعاني الفداء والتسليم والانقياد لأمر الله -تعالى.

ومن خلال ممارستها يتعلّم المؤمن معاني الصبر والرضا وحسن الظن بالله؛ فكلما استحضر صبر إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- وإيثارهما طاعة الله تعالى ومحبته على هوى النفس وتعلّق القلب بالولد، كان ذلك باعثًا على اليقين بأن المنح تولد من رحم المحن، وأن الصبر سبيل العطاء ورفع البلاء، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡیَ قَالَ یَٰبُنَیَّ إِنِّیۤ أَرَىٰ فِی ٱلۡمَنَامِ أَنِّیۤ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ یَٰۤأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِیۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِینَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، وقال سبحانه: ﴿وَفَدَیۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِیمࣲ﴾ [الصافات: ١٠٧].


ومن المقرر أن سيدنا إبراهيم -عليه السلام- لم يُقدِم على تنفيذ أمر ربه من غير إعلام ابنه أو مشاورته، وإنما عرض عليه الأمر؛ ليكون الامتثال نابعًا من الطاعة والرضا والتسليم، لا واقعًا تحت الإكراه والاضطرار، وليحظى الابن كذلك بشرف الطاعة ويتذوق حلاوة الانقياد لأمر الله - تعالى.

وقد جاء جواب الغلام الحليم غايةً في الأدب واليقين؛ فلم يجزع ولم تضطرب نفسه، بل خاطب أباه بنداء الأبوة الحانية: ﴿یَٰۤأَبَتِ﴾، ثم أبدى تمام الامتثال بقوله: ﴿ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ﴾، غير أنه لما علم أن الصبر والثبات لا يكونان إلا بعون الله وتوفيقه، علّق وعده بالمشيئة الإلهية قائلًا: ﴿سَتَجِدُنِیۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِینَ﴾ [الصافات: ١٠٢]؛ فجمع بين حسن الأدب وكمال التسليم والافتقار إلى الله - تعالى: ﴿فَلَمَّاۤ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِینِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، ثم جاء الفرج الإلهي بفداءٍ عظيم أرسله الله تعالى رحمةً ولطفًا، قال - سبحانه: ﴿وَفَدَیۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِیمࣲ﴾ [الصافات: ١٠٧]

 

شكر الله تعالى على نعمة الحياة وسعة الرزق

تُمثّل الأضحية تعبيرًا عمليًّا صادقًا عن شكر الله -عز وجل- على ما أسبغ على عباده من نعمٍ لا تُحصى، وفي مقدمتها نعمتا الحياة وسعة الرزق، ونعمة البقاء حتى بلوغ هذه الأيام الفاضلة من ذي الحجة والتوفيق فيها للطاعات، فضلًا عن نعمة تسخير بهيمة الأنعام، وما أودعه الله فيها من منافع للعباد وأرزاق لهم، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا۟ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُوا۟ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦]، وفي هذا السياق تتجلّى حكمةٌ بليغة في مشروعية الأضحية؛ إذ لم يقتصر التشريع على فعل الذبح ذاته، بل قرنه بمعاني الرحمة والرفق والإحسان إلى الحيوان، لتغدو العبادة مظهرًا من مظاهر الإحسان الشامل الذي يمتد أثره إلى الإنسان والحيوان وسائر الوجود، كما ورد في الحديث الشريف عن شداد بن أوس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ»، [مسلم: الصحيح، ١٩٥٥].


ترسيخ قيم التكافل الاجتماعي والتوسعة على الفقراء والمحتاجين

تأتي الأضحية لتقوية الروابط الإنسانية والمجتمعية، وتحقيق التكافل الاجتماعي في أسمى صوره؛ فهي توسعةٌ على النفس والأهل والأصدقاء والمساكين، وصلةٌ للرحم، وإكرامٌ للضيف، وتودّدٌ إلى الجار، وصدقةٌ على الفقير [راجع: هشام الكامل: إسعاد البرية في أحكام الأضحية، ص٨]، وفيها إظهارٌ لنعمة الله تعالى على عبده، وإشاعةٌ للفرح في نفوس المحتاجين، وإغناءٌ لهم عن السؤال في هذا اليوم المبارك، وقد قال النبي ﷺ: «كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا» [البخاري: الصحيح،(٥٥٦٩) عن سلمة الأكوع، رضي الله عنه].