خارج السطر
كلٌ يُقبل منه ويُرد. بشر خطاءون مهما أصلحوا، وآدميون لهم وعليهم، وأعمال تستحق التصفيق وأخرى تستلزم التحقيق، ولا أمة فى الكون يمكن أن تنجو من فخاخ التخلف وهى لا تستحسن الحسن، وتستقبح القبح.
تلك مقدمة لازمة للولوج إلى تصريحات السيد كامل الوزير، وزير النقل والمواصلات، والتى أدلى بها قبل أيام فى مجلس الأعمال المصرى الكندى أمام جمع من المستثمرين، ليفتح جرحاً متقيحا فى كتاب الوعى الحضارى والثقافي.
ولأن الإنصاف قيمة إنسانية مُلهمة، فإننى ممن يقدرون انجازات وزارة النقل خلال السنوات الأخيرة فى كل شارع وميدان ومدينة، وألمس آثار هذه الانجازات بوضوح فى عيون مَن غابوا عن البلاد لسنوات ثم جاءوها فاستحسنوا ما شهدوه من تغيرات جوهرية.
لكن تصريحات السيد الوزير بشأن مبنى هندسة السكة الحديد برمسيس مُرعبة، إذ قال نصا «احنا شيلنا مبنى حكومى، أثرى بقاله مئة سنة، والناس اعترضت عليه. أنتم ازاى بتشيلوه. يا عم الحى أبقى من الميت. لكن برضه هنتهاجم».
والعبارة بصيغتها ومنطقها مُعادية لحرص الدول المتحضرة على تاريخها وتراثها الإنسانى واسهامات الأجيال السابقة لديها، فضلا عن اهدارها حق المواطن فى الاستمتاع بجمال وروعة وذوق آثار السابقين تحت لافتة التطوير.
وهى فى الوقت ذاته، مناقضة لخطاب الدولة التنويرى المنفتح على العالم، والمحتفى بالآثار المصرية، وهو ما لمسناه بوضوح فى كلمات الرئيس المتكررة عن حضارة مصر العظيمة بدءا من حفل موكب المومياوات، ووصولا إلى افتتاح المتحف المصرى الكبير.
التطوير عظيم، وتيسير حياة المواطنين بمشروعات طموح شىء مهم، لكن يجب ألا يكون ذلك أبدا على حساب تاريخ وآثار وحضارة مصر. وهناك ألف طريق وطريق للتطوير دون مساس بتراث وحضارة المصريين، وكل دول العالم المتقدم نفذت نماذج فريدة فى هذا الصدد.
كما أن عبارة «الحى أبقى من الميت» عبارة لا يصح صدورها من مسئول سياسى يتحدث أمام جمع من المستثمرين الأجانب، لأن تطبيقها ببساطة يعنى إمكانية بيع الأهرامات لتحقيق ربح ما، أو هدم مسجد السلطان حسن، ونقله إلى دولة أخرى لأن طرزه المعمارية المبهرة هى الأعلى سعرا فى أى مزاد بالعالم.
إن منطق الوزير مُخيف لأنه اعتبر قرار اعدام مبنى أثرى أنشئ عام 1910 حقا أصيلا له، لأن نواياه حسنة وهى التطوير، ولم يُدرك أن المبنى ليس ملكا له، ولا لوزارة النقل، وإنما هو ملك المصريين جميعا. وكان من المفترض ومن اللازم أن يُطرح الأمر للتشاور بحثا عن أى صيغ ممكنة للتطوير دون مساس بمبنى أثرى عظيم.
لقد شهدنا خلال السنوات الأخيرة عدوانا عشوائيا على بعض المبانى التاريخية وخاصة مقابر رموز الثقافة والفن تحت زعم مشاريع التطوير والتنمية. وربما كانت أشهر الوقائع هدم قبة الأميرة نام شاذ، وهدم مقابر الشاعرين محمود سامى البارودى وحافظ إبراهيم، والشيخ محمد رفعت لبناء كبارى جديدة. ومن قبل تم هدم قبر المفكر العظيم «ابن خلدون» وطمست معالمه تماما فى مشروع تطوير طريق. وعكست الظاهرة والتبرير الحكومى تدهور الوعى الثقافى لدى كثير من المسئولين الذين قصروا الأمر على كون المبنى ليس أثرا، ومن ثم استباحته لأنه لا يوجد قانون يمنع ذلك.
إن القول بأن الحى أبقى من الميت، فى غير محله لأن ما يحدث يؤذى الأحياء قبل الأموات، إذ يسىء لمكانة مصر الحضارية، ولا يعترف سوى بمنطق المكسب والخسارة المادية دون التفات لإبداع أو فن أو ثقافة، وهى السلالم الأسرع نحو التخلف.
والله أعلم
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض