التوصيلة الأخيرة..«فارس» خرج يبحث عن رزقه.. عاد جثة
خرج فارس من بيته كعادته، يمسك مقود التاكسى بيدٍ تعرف أن الرزق لا يأتى إلا بالسعى، لم يكن يدرى أن هذا المشوار سيكون الأخير، وأن الطريق الذى حفظه عن ظهر قلب سيكتبه نهايةً لم تخطر على باله، فى شوارع الغردقة، توقفت سيارته فجأة، وتوقّف معها نبض رجل كان كل ذنبه أنه خرج يطلب لقمة العيش بالحلال، أوقعه القدر فى مواجهةٍ لم يحسب لها حسابًا، فانقلبت لحظات السعى إلى مشهدٍ مأساوى ختم حياته وترك خلفه آسى وحزناً فى قلوب أسرته ومحبيه ومأساة لا تنسى من الذاكرة.
فى مساء هادئ من أمسيات مدينة الغردقة، كان محمود، المعروف بين أصدقائه وأهل قريته باسم «فارس»، يستعد ليوم عمل جديد، لا يختلف كثيرًا عن عشرات الأيام التى قضاها خلف مقود سيارته يجوب الشوارع بحثًا عن لقمة العيش.
لم يكن الشاب الثلاثينى يعلم أن تلك الليلة ستكون الأخيرة فى حياته، وأن رحلته التى بدأها كعادته من شوارع المدينة المزدحمة ستنتهى فى منطقة مهجورة، بعيدًا عن أعين الناس، بعدما تحولت سيارة التاكسى التى كانت مصدر رزقه إلى مسرح لجريمة قاسية هزت محافظة البحر الأحمر بأكملها.
خرج «فارس» من منزله وهو يحمل هموم الحياة البسيطة التى يحملها أى شاب مكافح، مسؤوليات لا تنتهى، وأحلام صغيرة كان يسعى لتحقيقها يومًا بعد يوم، بابتسامة هادئة وكلمة طيبة عرفه بها كل من تعامل معه.
فى تلك الليلة، توقف بسيارته أمام مستشفى الغردقة العام بمنطقة الدهار، حين استوقفه شاب بدا عاديًا فى ملامحه، وطلب منه توصيله إلى منطقة «مبارك 6»، لم يكن الطلب غريبًا، فالسائق اعتاد نقل عشرات الزبائن يوميًا إلى مختلف مناطق المدينة، لذلك لم يتردد لحظة فى السماح له بالصعود.
تحركت السيارة تشق الطريق وسط أضواء المدينة، بينما كان «فارس» يظن أنه أمام رحلة عادية أخرى ستنتهى بأجرة بسيطة يعود بها إلى أسرته، لكنه لم يكن يعلم أن الشخص الجالس خلفه كان قد رسم سيناريو مختلفًا تمامًا.
داخل السيارة، كان المتهم يخطط لجريمته بدم بارد، تشير التحريات إلى أنه عقد النية مسبقًا على سرقة سيارة أجرة، واختار ضحيته بعناية، بعدما أوهمه بأنه مجرد راكب يريد الوصول إلى وجهته.
ومع ابتعاد السيارة عن المناطق المأهولة بالسكان، بدأ الرعب يتسلل إلى اللحظات الأخيرة فى حياة «فارس»، وفجأة، أشهر المتهم سلاحًا أبيض فى وجهه، مطالبًا إياه بالتوقف وتسليمه السيارة والهاتف المحمول وكل متعلقاته الشخصية.
حاول السائق مقاومته، ربما بدافع الخوف على حياته، أو تمسكًا بلقمة العيش التى أفنى سنوات عمره من أجلها، لكن المتهم لم يمنحه فرصة للنجاة.
فى منطقة معزولة بمبارك 6، انهال الجانى على ضحيته بعنف شديد، محدثًا به إصابات متعددة، قبل أن يتركه غارقًا فى دمائه ويفر هاربًا بالسيارة والهاتف المحمول، ظنًا منه أن الجريمة الكاملة قد مُحيت معالمها فى الظلام.
لكن خلف تلك الجريمة البشعة، كانت هناك أسرة كاملة تنتظر عودة «فارس» فى نهاية يومه، دون أن تدرى أن هاتفه الذى اعتادوا سماع صوته منه قد تحول إلى دليل فى جريمة قتل.
ساعات طويلة مرت قبل أن تبدأ خيوط الحقيقة فى الظهور، بعدما تكثفت تحريات أجهزة البحث الجنائى بمديرية أمن البحر الأحمر، بالتنسيق مع قطاع الأمن العام، لكشف ملابسات الواقعة.
رجال المباحث بدأوا تتبع خط سير السيارة، وفحص كاميرات المراقبة المحيطة بالمناطق التى تحرك فيها المجنى عليه قبل اختفائه، حتى توصلت التحريات إلى هوية المتهم، الذى تبين أنه شاب يبلغ من العمر 26 عامًا، يعمل شيفًا بأحد المطاعم، وله سوابق جنائية فى قضايا سرقات.
وكشفت التحقيقات أن المتهم، لم يرتكب جريمته بشكل عشوائى، بل خطط مسبقًا للاستيلاء على سيارة تاكسى والتصرف فيها بالبيع لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
ومع تضييق الخناق عليه، أعدت الأجهزة الأمنية عدة أكمنة استنادًا إلى معلومات دقيقة، حتى نجحت فى ضبطه خلال وقت قصير، والتحفظ على السيارة المسروقة.
وأمام الأدلة والتحريات، انهار المتهم واعترف تفصيليًا بجريمته، كاشفًا كيف استدرج «فارس» إلى منطقة نائية، وكيف اعتدى عليه حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، ثم ألقى بجثمانه محاولًا الهروب من الملاحقة الأمنية.
وفى الوقت الذى كانت فيه التحقيقات تتواصل داخل أروقة النيابة، كانت قرية كوم بيت داود بمركز جرجا فى محافظة سوهاج تعيش واحدة من أكثر لياليها حزنًا.
هناك، لم يكن «فارس» مجرد سائق تاكسى قُتل فى مدينة بعيدة، بل كان ابن القرية المكافح، الشاب الهادئ الذى عرفه الجميع بحسن الخلق والسيرة الطيبة.
وصل الجثمان إلى القرية محمولًا على أكتاف الحزن، وتحولت الشوارع إلى مشهد مهيب من البكاء والانكسار، بينما اصطف الأهالى لتشييع ابنهم الأخير.
نساء القرية اتشحن بالسواد وامتلأت أعينهم بالدموع، والرجال وقفوا فى صمت ثقيل لا يقطعه سوى الدعاء، فيما بدت الصدمة واضحة على وجوه أصدقائه الذين لم يصدقوا أن الشاب الذى خرج قبل أيام يسعى وراء رزقه عاد إليهم جثمانًا هامدًا.
الجميع كان يردد الجملة نفسها: «كان طيب.. عمره ما أذى حد».
ومع استمرار التحقيقات، قرر قاضى المعارضات بمحكمة الغردقة تجديد حبس المتهم 15 يومًا على ذمة القضية، مع مراعاة التجديد له فى المواعيد القانونية، فيما تواصل النيابة العامة استكمال التحقيقات لكشف جميع تفاصيل الجريمة.
لكن رغم القبض على الجانى، بقيت الجريمة جرحًا مفتوحًا داخل قلوب أسرة «فارس» وأهالى قريته، الذين لم يروا فى الحادث مجرد واقعة قتل، لكنها نهاية موجعة لشاب خرج يبحث عن رزقه فعاد محمولًا داخل نعش.
وفى كل ليلة تمر على الغردقة، ما زالت سيارة التاكسى التى كانت يومًا مصدر رزق «فارس» تذكر الجميع بأن بعض الرحلات قد تبدأ بطلب توصيل عادى، لكنها تنتهى بمأساة لا ينساها أحد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض