"ﻣُﻌﻠّﻘﺔ ﻓﻮق اﻟﺴﻄﺢ"..مأساة فتاة عاقبها والدها بالحديد
فى أعلى سطح عقار شعبى بمنطقة الجيزة، كانت السماء مفتوحة على اتساعها، لكن الحرية غابت تمامًا عن تلك الفتاة التى وقفت عاجزة، مكبلة اليدين بسلسلة حديدية، تتدلى من «جنش» مثبت فى عمود خرسانى، بينما يمر الوقت بطيئًا فوق رأسها، كأنه عقاب إضافى لا ينتهى.
لم تكن الفتاة، صاحبة الـ22 عامًا، تتخيل أن رفضها العودة إلى زوج انفصلت عنه سيقودها إلى هذا المشهد القاسى، مشهد أقرب إلى حكايات قديمة عن العقاب وطرقه المختلفة، لكنه هذه المرة جرى فى قلب منطقة سكنية مأهولة، وبين جدران يفترض أنها كانت مصدر الأمان الأول لها.
فى ذلك اليوم، لم تسمع الجدران صرخاتها فقط، بل حملت معها أيضًا قصة موجعة عن فتاة وجدت نفسها فجأة فى مواجهة أقرب الناس إليها، والدها وعمها.
البداية جاءت بمعلومة وصلت إلى الأجهزة الأمنية بمديرية أمن الجيزة، تفيد بوجود فتاة محتجزة أعلى سطح أحد العقارات بدائرة القسم، لم تكن التفاصيل واضحة فى البداية، لكن غرابة البلاغ دفعت رجال المباحث للتحرك سريعًا.
اللواء محمد مجدى أبو شميلة، مساعد وزير الداخلية لأمن الجيزة، تلقى إخطارًا من اللواء هانى شعراوى نائب مدير الإدارة العامة للمباحث، حول الواقعة، وعلى الفور، صدرت التعليمات بسرعة الانتقال وفحص البلاغ وكشف حقيقته.
تحركت قوة أمنية بقيادة المقدم هشام فتحى رئيس مباحث قسم الجيزة، يرافقه النقيبان أحمد شنب ومحمد النقيب، نحو العقار محل البلاغ، وبين الشوارع والحارات الضيقة والسلالم المتآكلة، صعد رجال المباحث إلى أعلى المبنى، قبل أن تتكشف أمامهم صورة صادمة.
كانت الفتاة معلقة بجنزير حديدى، يحيط بمعصميها بقسوة، ومثبت فى «جنش» حديدى بأحد الأعمدة الخرسانية أعلى السطح، بدت مرهقة وخائفة، بينما آثار الاحتجاز والإهانة واضحة على ملامحها.
لم ينتظر رجال الأمن طويلًا، فتم تحريرها فورًا من القيود الحديدية، وإنزالها من مكان احتجازها، فى لحظة امتزجت فيها الدهشة بالغضب، خاصة بعدما كشفت الفتاة هوية المتهمين.
بصوت مرتبك، لكنها حاسمة، اتهمت والدها، الرجل الستينى الذى يعمل «فكهانى»، وعمها الموظف، بأنهما وراء ما حدث لها.
قالت إن خلافها مع طليقها كان السبب الرئيسى لكل شىء، فبعد الانفصال، رفضت العودة إليه، متمسكة بقرارها، لكن الأسرة لم تتقبل الأمر، ومع تصاعد الضغوط، تحولت محاولات الإقناع إلى تهديدات، ثم انتهت إلى احتجازها أعلى سطح العقار، وتقييدها بالسلاسل الحديدية لإجبارها على التراجع عن موقفها.
التحريات كشفت أن المتهمين اعتقدا أن ما يفعلانه «تأديب» لابنتهما وإجبارها على الحفاظ على بيتها، غير أن الوسيلة التى استخدماها حولت الأمر إلى جريمة مكتملة الأركان.
وعقب تقنين الإجراءات، تمكنت قوات الأمن من ضبط الأب والعم، وتم اقتيادهما إلى ديوان القسم للتحقيق معهما.
وأمام رجال المباحث، لم ينكر المتهمان الواقعة، بل اعترفا بتفاصيلها كاملة، وقالا إن الفتاة رفضت العودة إلى زوجها بعد الطلاق، وإنهما خشيا من «كلام الناس» وتفاقم الخلافات العائلية، فقررا اصطحابها إلى سطح العقار وتكبيلها بالسلاسل لإجبارها على العدول عن موقفها.
لكن ما اعتبره المتهمان وسيلة ضغط عائلية، رأت فيه جهات التحقيق انتهاكًا صارخًا للحرية الإنسانية واعتداءً لا يمكن تبريره.
تحرر محضر بالواقعة، وأُخطرت النيابة العامة التى باشرت التحقيقات تحت إشراف المستشار محمود نادى رئيس نيابة الجيزة، فيما يواجه المتهمان اتهامات تتعلق بالاحتجاز القسرى، والتعدى على الحرية الشخصية، وتعريض حياة المجنى عليها للخطر، وهى جرائم تصل عقوبتها إلى الحبس المشدد وفقًا لقانون العقوبات المصرى.
ورغم انتهاء لحظة الاحتجاز بإنقاذ الفتاة، فإن المشهد ترك خلفه أسئلة ثقيلة تتجاوز حدود الواقعة نفسها، أسئلة عن المسافة الفاصلة بين «الخوف على السمعة» وارتكاب الجريمة، وعن تلك القناعة التى تدفع بعض الأسر للاعتقاد بأن السيطرة والعقاب يمكن أن يكونا بديلًا عن الحوار.
فوق ذلك السطح، لم تكن فتاة مكبلة بالسلاسل فقط، بل كانت هناك حكاية كاملة عن الخوف والضغط الاجتماعى والعنف المغلف بشعارات العائلة والتقاليد.
وربما كان المشهد الأكثر قسوة فى القصة، أن اليد التى وضعت الحديد فى معصميها لم تكن يد غريب، بل يد الأب نفسه، الرجل الذى يفترض أن يكون ملاذ الأمان الأول لابنته.
فى النهاية، نُقلت الفتاة من فوق السطح إلى حماية القانون، بينما انتقل الأب والعم إلى مقاعد الاتهام، لتبقى الواقعة شاهدًا جديدًا على أن بعض الجرائم لا تُرتكب بدافع الكراهية فقط، بل أحيانًا تحت لافتات مشوهة تحمل اسم «الخوف على الأسرة».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض