رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

ستظل الأهرامات المصرية أعظم لغز حضارى عرفته البشرية، ليس فقط بسبب ضخامتها المذهلة أو دقتها الهندسية الخارقة، بل لأنها تمثل شاهدًا صامتًا على حضارة بلغت من العلم والمعرفة ما يجعل الإنسان المعاصر ــ رغم ما وصل إليه من تطور تكنولوجى هائل ــ عاجزًا حتى الآن عن فك جميع أسرارها بصورة قاطعة.

فالأهرامات ليست مجرد مقابر حجرية أو منشآت ملكية عملاقة، بل تبدو كأنها رسالة خالدة تركتها حضارة مفقودة إلى الأجيال القادمة، تحمل داخلها أسرار العلم والهندسة والفلك والزمن.

إن المتأمل فى تاريخ الحضارات القديمة يدرك أنها لم تكن حضارات بدائية كما يتصور البعض، بل بلغت درجات مذهلة من التطور العلمى والمعرفى بالنسبة لعصورها، كأنها كانت تعيش فى عوالم موازية لعالمنا الحالى ولكن بأدوات مختلفة. ويبدو التاريخ الإنسانى كأنه دورة حضارية مغلقة؛ تبلغ فيها الأمم ذروة القوة والعلم ثم تنهار وتختفى، لتنشأ فوق أنقاضها حضارات جديدة، مصداقًا لقول الله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، (يونس: 24).

ومن هنا يبقى السؤال الذى حير العالم:

 كيف استطاع القدماء تشييد الأهرامات بهذه الدقة الهندسية والفلكية المذهلة؟ وكيف نُقلت ملايين الأحجار العملاقة التى يصل وزن بعضها إلى عشرات الأطنان؟ وكيف تم ضبط الاتجاهات والزوايا بحيث تتطابق مع الجهات الأصلية بصورة تكاد تكون معجزة رياضية؟

لقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الهرم الأكبر يتمتع بدرجة مذهلة من الدقة الهندسية؛ فقواعده تكاد تكون متساوية بصورة شبه كاملة، كما يرتبط تصميمه بعلاقات فلكية ورياضية معقدة، ما جعل كثيرًا من العلماء يعتبرونه أعظم إنجاز هندسى فى تاريخ الإنسانية القديمة.

هل الأهرامات أقدم من عصر الأسرات؟ 

يرى بعض الباحثين والمفكرين أن الأهرامات قد تكون أقدم من عصر الأسرات المصرية المعروف، وأن الحضارة التى شيدتها كانت تمتلك علومًا متقدمة فى الهندسة والفلك والبناء والطاقة. كما يربط البعض بين هذه الصروح العملاقة وما ورد فى القرآن الكريم عن قوم عاد وإرم ذات العماد، استنادًا إلى قوله تعالى:

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) (الفجر: 6-8)

ويذهب أصحاب هذه الرؤية إلى أن قوم عاد لم يكونوا أصحاب قوة جسدية فقط، بل بلغوا سقفًا هائلًا من العلم والمعرفة والتمكين العمرانى، وأن لفظ «إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ» قد يحمل دلالات مرتبطة بالأبنية العملاقة التى لم يُخلق مثلها فى البلاد.

كما يربط بعض المهتمين بأسرار الحضارات القديمة بين الأهرامات ونبى الله إدريس عليه السلام، الذى يُنسب إليه العلم بالحساب والهندسة والفلك والطب والزراعة وتخطيط المدن، ويرون أن هذه الصروح ربما أُقيمت لحفظ العلوم والمعارف من الضياع بعد أن أوحى الله إليه بوقوع طوفان عظيم يصيب الأرض.

وهى رؤى تدبرية وفكرية يتداولها عدد من الباحثين والمهتمين بتاريخ الحضارات القديمة، فى مقابل الرأى الأثرى والعلمى السائد الذى ينسب بناء الأهرامات إلى قدماء المصريين فى عصر الدولة القديمة.

 

الرأى الأثرى والعلمى السائد

تؤكد الاكتشافات الأثرية الحديثة ــ مثل مقابر عمال الجيزة وبرديات وادى الجرف ــ أن الأهرامات شُيدت خلال عصر الأسرة الرابعة، بين عامى 2600 و2500 قبل الميلاد تقريبًا، وأن بناة الأهرام كانوا عمالًا ومهندسين مصريين محترفين، وليسوا عبيدًا كما صورت بعض الروايات القديمة.

كما تشير الدراسات إلى أن المصريين القدماء استخدموا تقنيات هندسية متقدمة لعصرهم، شملت المنحدرات الترابية، والقنوات المائية، والسفن الضخمة لنقل الأحجار من المحاجر، إضافة إلى الاعتماد على الحسابات الفلكية الدقيقة فى تحديد الاتجاهات والزوايا.

ويُعتقد أن الملك خوفو هو صاحب الهرم الأكبر، الذى بُنى ليكون مقبرة ملكية ورمزًا للقوة الروحية والسياسية للدولة المصرية القديمة.

 

الأهرامات وآثار الأولين

ورغم التفسير الأثرى السائد، يبقى الغموض حاضرًا بقوة حول كيفية تنفيذ هذه الأعمال العملاقة بدقة مذهلة ما زالت تبهر العالم حتى اليوم. كما أن المعابد الضخمة التى نُحت بعضها فى قلب الجبال والصخور توحى بأن القدماء امتلكوا فهمًا هندسيًا متقدمًا مكّنهم من بناء منشآت تقاوم الزمن لآلاف السنين.

ويشير القرآن الكريم إلى قدرة الأقوام القديمة على نحت الصخور واتخاذ الجبال بيوتًا وقصورًا، كما فى قوله تعالى:

(وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ) (الفجر: 9-10)

ويرى بعض الباحثين أن قدماء المصريين فى عهد الأسرات ربما تعاملوا مع بعض هذه الصروح باعتبارها آثارًا حضارية سابقة عليهم، وهو ما يربطه البعض بقوله تعالى: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ) (إبراهيم: 45).

 

لغز العمالقة وأحجام البشر

ومن الأمور التى ما زالت تثير الجدل أيضًا ظهور بعض الشخصيات العملاقة فى النقوش والرسومات المصرية القديمة مقارنة بأشخاص آخرين بأحجام طبيعية. فبينما يفسر علماء الآثار ذلك باعتبارات رمزية وفنية تعبر عن المكانة والسلطة، يربطه آخرون بما ورد فى السيرة النبوية عن اختلاف أحجام البشر عبر العصور.

فقد ورد فى الحديث الشريف: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا.. فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآن» (صحيح البخارى)، ويُقدّر طول الستين ذراعًا بما يقارب سبعةً وعشرين مترًا تقريبًا، وهو ما يفتح بابًا واسعًا للتأمل فى طبيعة الخلق الإنسانى الأول واختلافه عبر الأزمنة.

 

الأهرامات.. معجزة لن تنتهى

مهما تعددت النظريات والتفسيرات ــ بين الرؤية الدينية والتدبرية، وبين الاكتشافات الأثرية والعلمية ــ تبقى الحقيقة الثابتة أن الحضارة المصرية القديمة كانت معجزة إنسانية فريدة، وأن الأهرامات ستظل أعظم شاهد على عبقرية الإنسان وقدرته على تحدى الزمن وصناعة الخلود بالحجر والعلم والإرادة.

إن سحر الأهرامات لا يكمن فقط فى ضخامتها، بل فى ذلك الغموض الذى يحيط بها، وفى قدرتها على إثارة دهشة البشرية جيلاً بعد جيل، كأنها تقول للعالم كله:

إن التاريخ الإنسانى ما زال يحمل أسرارًا لم تُكتشف بعد.. وإن فى هذا الكون من آيات الله ما يفوق خيال البشر.