يوم الجمعة 15 مايو 2026، قذفت الأمواج جثامين اثنى عشر شاباً قبالة سواحل قرية أبوغليلة فى مدينة سيدى برانى بمحافظة مطروح، فقدوا حياتهم جوعاً فى عرض البحر خلال رحلة هجرة غير شرعية، تقول الأخبار إن التحريات الأولية التى أجرتها الأجهزة المعنية أكدت أن الرحلة انطلقت من شواطئ ليبيا داخل قارب مطاطى، وبسبب نفاد المؤن والمواد الغذائية تعرضوا للوفاة واحداً تلو آخر، ويرجح أن يكون قد سقط بعضهم فى قاع البحر، بينما بقى الاثنا عشر داخل هذا القبر العائم تتقاذفهم الأمواج، وتقذف معهم هذا السؤال: هل حاول هؤلاء الهروب إلى الحياة، أم الفرار منها؟
الإجابة عن السؤال السابق لن تكون واحدة، ولن تكون شافية؛ فكما جمعت تلك الرحلة أرواحاً شابة من محافظات مختلفة على متن قارب واحد وهدف واحد وقرار واحد بالرحيل، جمعت بينهم أيضاً حزمة واحدة من الأسئلة:
الأول: لماذا لم ينتبه أو يقتنع أو يستمع هؤلاء الفتية إلى مناشدات وزارة الخارجية وتحذيراتها الصارمة من الانسياق خلف أوهام الثراء السريع التى تروج لها عصابات تهريب البشر، وتجنب التعامل مع تلك العصابات التى تُعرِّض حياتهم للخطر؟ وما هو الدافع الذى يجعل هؤلاء يخاطرون بحياتهم فى عرض البحر بقارب هجرة غير شرعى بدلاً من الالتزام بالقنوات الرسمية، والحصول على تأشيرات نظامية وعقود عمل موثقة فى الخارج؟ هل هو حلم الثراء السريع حقاً أم محاولة هشة للنجاة والبحث عن فرصة من أجل حياة أفضل؟
الثانى: لماذا لم ينتظر أصحاب الرحلة والراغبون والعازمون على اللحاق بهم، رغم المخاطر التى يرونها ويسمعون عنها، عام جنى الثمار الذى وعدت به الحكومة مراراً وتكراراً؟ هل أفقدتهم الحكومة الأمل بعام ظنوا أنه لن يأتى؛ فقرروا البحث عن الثراء السريع بديلاً عن الانتظار وسط تلك التوترات الإقليمية التى دفعت أسعار الوقود إلى الصعود؛ فصعدت معها أسعار المأكل والمشرب والملبس والمسكن، وتعريفة المواصلات العامة والخاصة وأسعار الدواء، وتكاليف الزواج التى أضحت فوق طاقتهم فقرروا الفرار إلى حياة أخرى مع احتمال أن تكون تلك الحياة هى «الآخرة»؟
الثالث: لماذا يترك الشباب الساعون خلف أوهام الهجرة غير الشرعية فرص الاستفادة من خطوة الحكومة المهمة بتمكين المواطنين من زيارة العاصمة الجديدة واكتشاف معالمها الحديثة والاستمتاع بالمظهر الحضارى المتميز لها، بعد أن قررت وزارة النقل اعتباراً من يوم الجمعة الموافق 15 مايو 2026 تقديم خصم بقيمة 50% من قيمة التذكرة الكاملة لركاب المرحلة الأولى لمونوريل شرق النيل يومى الجمعة والسبت من كل أسبوع وأيام العطلات الرسمية لمدة ثلاثة أشهر، ولماذا لم يتعظ هؤلاء الراغبون من مشاهد جثامين قذفتها الأمواج فى ذات التاريخ؟
الرابع: ماذا دار فى خاطر شاب عمره سبعة عشر عاماً، وحيد أبيه، يعمل باليومية، جعله يلح على أبويه ويقنعهما بتوفير المال لمغادرة قريته فى مركز السنبلاوين بمحافظة الدقهلية، إلى ليبيا تمهيداً لخوض مواجهة مع الموت للوصول إلى أوروبا، لتكون النتيجة صرخات أم، وصدمة أب تفقده القدرة على النطق؟
الخلاصة: الأرقام التى أعلنتها وزارة الخارجية مؤخراً بتحرير 1379 مصرياً محتجزاً على خلفية قضايا هجرة غير شرعية، بالإضافة إلى شحن 94 جثماناً لمصريين لقوا حتفهم خلال تلك الرحلات، واستعادة رفات خمسة عُثر عليهم أمام السواحل التونسية.. تشير إلى أزمة لا يمكن تجاهلها.
فى النهاية: بين «ألف مبروك» التى تبدأ بها الرحلة عادة، و«البقاء لله» التى تنتهى بها غالباً، أسئلة لا يمكن أن تجيب عنها بطاقات رقم قومى أو جوازات سفر وجدت على قارب مطاطى بعد أن تحللت جثامين أصحابها، أسئلة الإجابة عنها وجع، والتغافل عنها موجع، فى انتظار ما تقذفه الأمواج أو ما يبتلعه البحر، ليبقَ السؤال الأهم: هل يهرب هؤلاء إلى الحياة أم يفرون منها؟.. بلا إجابة واحدة أو شافية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض