رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

إطلالة

من الطبيعي أن معهد الأورام، يفترض فيه أن يجد المريض الرحمة قبل العلاج، والدعم النفسي قبل الدواء، يعيش كثير من مرضى السرطان تجربة قاسية تتجاوز آلام المرض نفسه. فالمريض الذي يدخل هذا المكان مثقلاً بالخوف والقلق، لا يحتاج فقط إلى جرعة علاج كيماوي أو كشف طبي، بل يحتاج إلى كلمة طيبة، واحترام لإنسانيته، وإحساس بأنه لم يُترك وحيداً في معركته مع المرض. لكن الواقع الذي يرويه كثير من المرضى وأسرهم يكشف عن أزمة إنسانية وأخلاقية لا يمكن السكوت عنها.
بعض الأطباء والعاملين داخل معاهد الأورام يتعاملون مع المرضى وكأنهم أرقام على قوائم الانتظار، لا بشرًا يحمل كل منهم قصة ألم ومعاناة. مريض السرطان يقف بالساعات في طوابير مرهقة، ينتظر دوره وسط الزحام، ثم يفاجأ بمعاملة جافة أو متعالية، وكأن طلبه للعلاج جريمة. والأسوأ من ذلك، أن هناك شكاوى متكررة من تعمد بعض الأطباء تعقيد الإجراءات أو التقليل من الاهتمام بالحالة داخل المستشفى الحكومي، في محاولة غير مباشرة لدفع المريض إلى زيارة العيادة الخاصة للطبيب نفسه.
هذه الممارسات، لا تمثل فقط استغلالًا لمأساة إنسانية، بل جريمة أخلاقية مكتملة الأركان. فالمريض الذي لجأ إلى معهد الأورام لم يفعل ذلك رفاهية، بل لأنه عاجز عن تحمل تكاليف العلاج في المستشفيات والعيادات الخاصة. حين يُدفع هذا المريض دفعاً نحو العيادة الخاصة، يصبح الأمر أشبه بعملية "بيع وشراء" لمعاناة الإنسان، وكأن المرض تحول إلى وسيلة للربح، لا قضية إنسانية تستحق الرحمة.
السرطان ليس مرضاً عادياً، بل معركة نفسية قبل أن يكون معركة جسدية. الأطباء أنفسهم يؤكدون دائماً أن الحالة النفسية للمريض جزء أساسي من العلاج، وأن الدعم المعنوي قد يرفع من فرص الشفاء أو على الأقل يساعد المريض على تحمل رحلة العلاج الطويلة. لكن ما يحدث أحياناً داخل بعض المؤسسات العلاجية يدمر هذه الحالة النفسية تماماً. فالمريض الذي يخرج من منزله وهو يقاوم الخوف من الموت، يعود إليه وهو يشعر بالإهانة والانكسار وفقدان الكرامة.
كيف يمكن لمريض سرطان أن يتمسك بالأمل، بينما يجد نفسه يتعرض للتجاهل أو الصراخ أو المماطلة؟ كيف يثق في منظومة علاجية يشعر داخلها بأنه مجرد وسيلة لتحقيق مكاسب مالية؟ إن أبسط حقوق المريض أن يُعامل باحترام، وأن يحصل على خدمة طبية عادلة دون ضغوط أو ابتزاز معنوي أو استغلال لحاجته.
لا يمكن تعميم الاتهام على جميع الأطباء، فهناك نماذج مشرفة تعمل بإخلاص وتضحية داخل معاهد الأورام والمستشفيات الحكومية، وتقدم ما تستطيع رغم ضغط العمل وضعف الإمكانيات. لكن وجود نماذج سيئة، حتى وإن كانت محدودة، يسيء إلى المنظومة كلها، ويخلق حالة من فقدان الثقة بين المريض والطبيب، وهي أخطر ما يمكن أن يحدث داخل أي مؤسسة علاجية.
المطلوب اليوم ليس مجرد التعاطف مع المرضى، بل اتخاذ خطوات حقيقية وجذرية لحماية كرامتهم وحقوقهم. يجب تشديد الرقابة داخل المستشفيات ومعاهد الأورام، ووضع آليات واضحة لتلقي شكاوى المرضى والتحقيق فيها بجدية وشفافية. كما يجب منع أي تضارب مصالح بين عمل الطبيب داخل المستشفى الحكومي وعيادته الخاصة، بحيث لا يشعر المريض أنه مجبر على الانتقال من باب المعهد إلى باب العيادة الخاصة حتى يحصل على الاهتمام المطلوب.
ومن الضروري أيضًا تدريب العاملين في القطاع الصحي على أساليب التعامل الإنساني مع المرضى، خاصة مرضى الأمراض المزمنة والخطيرة. فالكلمة الطيبة ليست رفاهية، والابتسامة ليست مجاملة، بل جزء من العلاج. المريض لا يطلب المستحيل، بل يريد أن يشعر بأنه إنسان له قيمة، لا عبء يجب التخلص منه بسرعة.
إن أي مجتمع يُقاس بمدى رحمته بضعفائه ومرضاه. وإذا تحول الألم الإنساني إلى فرصة للاستغلال، فإننا نكون أمام خلل أخلاقي خطير يحتاج إلى مواجهة حاسمة. مرضى السرطان لا يحتاجون شفقة، بل يحتاجون عدالة ورحمة واحترامًا. يحتاجون إلى نظام صحي يحفظ كرامتهم بدلًا من أن يزيد من معاناتهم.
الصمت على هذه التجاوزات لم يعد مقبولًا، لأن الثمن يدفعه أناس يصارعون المرض كل يوم، ويتمسكون بخيط رفيع من الأمل. ومن حقهم أن يجدوا في المؤسسات العلاجية حضنًا إنسانيًا يخفف عنهم قسوة المرض، لا باباً جديداً للمعاناة والإذلال.