حين أصدر رئيس حزب الوفد الدكتور السيد البدوي شحاتة قراره في فبراير 2026 بتأسيس هيئة جيل المستقبل، ثم ما تبعه من عقد الاجتماع الأول وتشكل المكتب السياسي في مايو، لم يكن الأمر بالنسبة لي مجرد متابعة لحدث حزبي عابر، بل كان تجربة حية أتشرف بكوني جزءاً منها كأحد المعينين بقرار مباشر من رئيس الحزب ضمن هذه الهيئة، حيث يمكنني القول إن ذلك الاجتماع الأول لم يكن تدشيناً بروتوكول تقليدياً، وإنما تحول إلى ورشة عمل فكرية وعصف فكري أقل ما يوصف بأنه عظيم ومبهر، حيث طرحت عقول شابة التجارب وأفكاراً استراتيجية ناضجة تؤكد أن الحزب أراد تطعيم هذا الكيان برؤى تحليلية قادرة على تفكيك المشهد، ومن هنا لا يمكن قراءة هذا التحرك باعتباره مجرد خطوة تنظيمية داخلية لإعادة ترتيب الأوراق، بل هو تحرك سياسي أوسع يتصل ببنية الوعي العام، واستيعاب الطاقات الشابة داخل مسار مسؤول يرتبط مباشرة بمناعة الأمن القومي المصري، والذي لم يعد يُقاس فقط بقدرات الردع العسكري والأدوات الأمنية التقليدية، وإنما يقوم في جوهره على تماسك الجبهة الداخلية، وفعالية المشاركة، وقوة المجال السياسي المنظم.
ويكتسب هذا التحرك أهمية مضاعفة لكونه يخرج من عباءة حزب الوفد، الحزب الذي يحاول اليوم أن يربط بين تاريخه السياسي العريق وبين الحاجة إلى تجديد أدواته التنظيمية، لإدراك بأن الأحزاب القديمة لا يمكنها الاستمرار بالاعتماد على إرثها الرمزي فقط، بل تحتاج إلى آليات حقيقية لإعادة بناء صلتها بالأجيال الجديدة وجعلها شريكة في القرار وليست مجرد واجهة لإكمال الصورة، واللافت للنظر هنا هو المحددات الصارمة لتركيبة هذه الهيئة، فهي تضم قيادات من شباب الوفد الذين شاركوا ميدانياً في محطات سياسية مفصلية خلال الفترة الممتدة من 25 يناير 2011 حتى ثورة 30 يونيو 2013، وهي مرحلة شهدت صعوداً وهبوطاً حاداً في المشهد المصري، ومواجهة اختطاف الدولة من قِبل جماعة الإخوان، والانخراط في جبهة الإنقاذ، والمشاركة في ثورة 30 يونيو، ودعم الدولة ضد قوى التطرف، هذا التحديد الزمني ليس تفصيلاً شكلياً، بل هو محاولة لمنح الهيئة شرعية سياسية مستمدة من تجربة فعلية في الشارع لا من مجرد الانتماء التنظيمي المغلق.
ولتبسيط الرابط بين هذا الحراك والأمن القومي، يجب أن ندرك أن السياسة بطبيعتها لا تتحمل الفراغ، فعندما تغيب المؤسسات الحزبية الشرعية عن أداء دورها الطبيعي في الشارع، وتفشل في استيعاب طاقات الشباب وتوجيهها، يتشكل فراغ سياسي يصبح بيئة خصبة لنمو الشائعات، والتضليل، والاستقطاب الحاد، وأحياناً أنماط من السلوك السياسي غير المنضبط وضار بالمجتمع، وهنا تبرز الأهمية القصوى للأحزاب عندما تؤدي وظيفتها الطبيعية في التأهيل والتثقيف، فكلما زادت قدرة الحزب على تقديم كوادر واعية ومؤهلة، كلما أسهم ذلك في تقوية مناعة المجتمع ككل، وهو ما ينعكس في النهاية على الاستقرار الوطني الشامل، ومن ثم يصبح العمل الحزبي الجاد أحد أهم أدوات الوقاية المجتمعية.
وقد عكس هذا الاجتماع الأول رغبة جادة في الخروج بالهيئة من الإطار الرمزي إلى العمل المؤسسي المستدام، حيث تم اختيار الإعلامي محمد مبروك منسقاً عاماً للهيئة بالتزكية، مع وضع خريطة طريق واضحة تبدأ بفترة انتقالية مدتها ستة أشهر تمهد للانتقال إلى آلية الانتخاب الحر، وتحديد السبت الثالث من كل شهر كـموعد ثابت للاجتماعات الدورية، فضلاً عن طرح فكرة تأسيس بيت خبرة يضم متخصصين لمعاونة الهيئة في الملفات الفنية المعقدة.
لأجل ذلك فإن الهدف العملي المعلن من تأسيس الهيئة لا يقتصر على الجمع الرمزي، بل يمتد إلى تحويلها لمدرسة كادرات ومطبخ سياسي متكامل يسعى لإعداد الشباب وتأهيلهم في أربعة مسارات أساسية مثل السياسة، والإدارة، والثقافة، والتنظيم، بما يفتح أمامهم طريقًا حقيقياً نحو خوض الانتخابات المحلية والبرلمانية والحزبية بكفاءة، وفي عصرنا الحديث لم يعد العمل السياسي يعتمد على الحماس أو الولاء فقط، بل أصبح علماً يتطلب مهارة في التواصل، وقدرة على إدارة الحملات الميدانية، وفهم سيكولوجية الجمهور، وصياغة خطاب متزن وقادر على التأثير عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، وإذا نجحت الهيئة في ترجمة الأفكار العظيمة التي طُرحت في اجتماعها الأول إلى برامج تدريبية حقيقية، فستساهم في إنتاج جيل جديد من رجال الدولة والكوادر العامة.
وبالفعل نجد أن الهيئة تتمتع بنقاط قوة واضحة فأعضاؤها يمتلكون خبرة ميدانية وتاريخاً من المشاركة في محطات وطنية مؤثرة، مما يمنحهم مصداقية ورصيداً حقيقياً، كما أن الرؤية التنظيمية واضحة ومحددة بجدول زمني وآليات انتخابية تعطي انطباع بالجدية والقدرة على الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الفعل، ولكن فإن التحدي الأكبر والقاتل لأي فكرة مشابهة هو المركزية فإذا تقوقعت الهيئة داخل مقار الحزب الرئيسية في القاهرة وتحولت إلى كيان نخبوي يصدر البيانات فقط، فستفقد قيمتها وتتحول إلى كيان رمزي، فنجاح الهيئة سيُقاس بقدرتها على التمدد في المحافظات، والوصول إلى القواعد الحزبية، وتفنيد المشاكل المحلية وتقديم حلول حقيقية لها، بالإضافة إلى ترجمة الخطاب الوطني العام إلى أدوات عمل ملموسة داخل الحزب وخارجه.
وهنا يمكنا القول إن تأسيس هيئة جيل المستقبل، ليس مجرد شأن داخلي يخص بيت الوفد وحده، بل هو تجربة حية ومباشرة تشرح لنا كيف يمكن حماية الأمن القومي بالسياسة والوعي، ومن خلال بناء جيل جديد من الكوادر داخل كيانات شرعية ومنظمة، فالأحزاب التي تنجح في تجديد دمائها وتصعيد شبابها، لا تخدم مصلحتها الحزبية فقط، بل تدعم استقرار الدولة وتعيد الثقة في العمل المؤسسي ككل.
وإذا تمكنت الهيئة من تحويل تلك الرؤى والأفكار القوية التي لمستها بنفسي في الاجتماع الأول إلى واقع ملموس وبرامج تمكين حقيقية، سنكون أمام نموذج ملهم يثبت أن العمل الحزبي المنضبط هو ركيزة أساسية لحماية الوطن، أما إذا بقيت مجرد حبر على ورق وعنوان عابر، فسينتهي أثرها مهما كان بريق اسمها، وتبقى الشهور القادمة هي الحكم الحقيقي والفيصل في هذه التجربة.
المحلل السياسي والاستراتيجي
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض