رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تواجه الدولة المصرية تحدياً نقديا يتمثل في سد الفجوة الدولارية وتوفير السيولة اللازمة لتغطية الالتزامات الاستراتيجية، وأقساط الديون وأعبائها، وفاتورة الواردات بأنواعها، وغيرها من الالتزامات التي تنعكس إجمالاً على الميزان التجاري. وأمام هذا التحدي، تبرز مسارات متعددة للمعالجة؛ يأتي في مقدمتها "المسار الأول" وهو تنشيط السياحة وتعظيم الإنتاج الصناعي والزراعي بهدف "إحلال الواردات" بمنتجات وطنية توقف نزيف الاحتياطيات الدولارية (العامة والخاصة على حد سواء)، وهو مسار حيوي تناولته في مقالات سابقة ويستحق دراسات مستقلة. أما "المسار الثاني" وهو موضوع مقالنا اليوم، فيتمثل في تعبئة المدخرات الدولارية عبر رفع جاذبية الأوعية الادخارية والاستثمارية الراهنة واستحداث منتجات مصرفية قادرة علي اجتذاب مزيد من الأرصدة الدولارية ومن بينها الصناديق الاستثمارية الدولارية التي تعد أداة جيدة لتعبئة وإستثمار المدخرات الدولارية في محافظ متنوعة في بورصات محلية بالأساس، وكذلك بورصات إقليمية ودولية بنسبة مدروسة (إذا ارتأت الأطراف المعنية أن ذلك سيعظم موارد العملة الصعبة) وهي بذلك تصلح كبديل جزئي لتمويل بعض المشروعات القومية بدلا من الاعتماد على "القروض الخارجية غير الإنتاجية" التي تثقل كاهل الموازنة العامة بأقساط الديون وأعبائها.

ومن أجل جذب المزيد من الأرصدة الدولارية المستقرة، لابد من قيام البنوك الحكومية والخاصة بإتاحة مزايا تفضيلية لأصحاب الأوعية الادخارية والاستثمارية الدولارية (سواء ودائع، شهادات، أسهم، أو وثائق صناديق)، ومن بينها مزايا الاقتراض والتسهيلات الائتمانية بالعملة المحلية بسقف مرتفع (يصل إلى 95% مثلاً) تقدم بضمان تلك الأوعية. هذا الإجراء يمنح حائزي الدولار سيولة نقدية محلية دون الحاجة لتسييل أصولهم الأصلية، مما يشجعهم على إيداع أرصدتهم في أوعية طويلة الأجل توفر سيولة دولارية مستقرة للبنوك ولالدولة ولتمويل احتياجات الشركات من الخامات والمنتجات الوسيطة.

وقد توسعت مؤخراً الشركات المالية الخاصة الواعدة في "إدارة الأصول" (Asset Management) في مصر في مجال تأسيس المزيد من الصناديق الدولارية وصناديق الذهب والفضة والعقارات، وهو تطور يسهم في جذب الاستثمارات بالعملة الصعبة. وهو ما يقتضي من البنوك الحكومية أن تواكبه لتحجز لنفسها نصيباً في هذه التوجه الجديد، من خلال تنشيط الشركات المالية الحكومية المتخصصة وحمايتها من "تخريب المخربين"، مع تشجيعها للدخول بقوة في مجال صناديق المعادن والتعدين (الذهب والفضة والألمونيوم وغيرها)؛ والتي تعد توجهاً مكملاً للصناديق الدولارية نظراً لارتباط ملف الذهب بملف الدولار والعملة الصعبة بوجه عام. وقد لاحظت من تعليقات بعض العملاء ندرة هذه الصناديق في البنوك الحكومية أو انخفاض سقف الاكتتاب بها لدرجة إغلاقها لشهور طويلة، وهو أمر يحتاج إلى مراجعة.

تبقى معضلة خطيرة تحد من انطلاق هذه الصناديق وهي "تضارب المصالح" بين البنوك والصناديق في جزئية جذب السيولة، وهو ما يقتضي فض الاشتباك بأسلوب علمي قائم على دراسة يجريها البنك المركزي بالتعاون مع المتخصصين؛ تضمن أن يكون لقيادات البنوك وموظفيها مصلحة في نجاح الصناديق التابعة لها والدعاية لها، بدلاً من الوضع الحالي الذي قد يدفع بعض الموظفين لتوجيه العملاء نحو منتجات أخرى، مما يضر بمصالح المستثمرين غير الخبراء.

إنني أدعو إلى تبني استراتيجية جديدة تقوم على تحويل البنوك من مؤسسات تركز فقط على "بيع القروض" إلى مؤسسات مالية تركز على الاستثمار وتمويل الأنشطة بـنظام "المشاركة" (بدلاً من القروض الربوية المضرة بالاقتصاد القومي على المدى الطويل). هذه الاستراتيجية ستجعل البنية الأساسية الضخمة للبنوك في خدمة الصناديق والبورصة المصرية (التي تتفق فلسفتها مع مبادئ الاقتصاد الإسلامي المشجع على المشاركة في المخاطر)، وتوجه الأموال إلى أنشطة حقيقية بوساطة إدارة محترفة، بدلاً من منح المليارات كقروض لأفراد قد يتبين لاحقاً أنهم ليسوا أمناء (كما في قضايا حيتان القروض). حينها، ستضطر الشركات الراغبة في التمويل لتطوير أدائها وطرح أسهمها في البورصة، لتخضع لرقابة الصناديق المحترفة بدلاً من الاكتفاء بمسؤولي الائتمان بالبنوك.

كما يجدر التنويه إلى أن زيادة جاذبية الصناديق تتطلب إلزاماً فورياً للبنوك والصناديق بإنشاء وتطوير "تطبيقات ذكية" تقدم بيانات ومعاملات لحظية للمستثمرين، مع وضع غرامات باهظة حال التأخير في التنفيذ؛ لتعزيز الشفافية. ولا مانع من دراسة دمج بعض الصناديق الصغيرة أو الخاملة لتكوين كيانات أكبر وأنشط قادرة على المناورة المحلية والدولية، وتجنب تفتيت الاستثمارات بشكل لا يتناسب مع حجم النشاط الاقتصادي في مصر.

ويجب أن نعي أن النجاح في إدارة ملف العملة الصعبة بذكاء وإخلاص سيغنينا جزئيا عن التوسع في الاقتراض الخارجي غير المنتج، وهو أحد مداخل تخريب وزعزعة استقرار الدول وإخضاع قرارها السياسي. إن توفير أوعية إدخارية واستثمارية دولارية شفافة ليس مجرد إجراء مصرفي، بل هو مهمة "أمن قومي" تستهدف زيادة مساحة المناورة في النظام المالي، وتحويل "الدولار المكتنز" إلى وقود يدفع عجلة التنمية، صوناً لسيادة الدولة وحماية لمقدرات شعبها.

سياسي ونقابي مصري والمستشار الأسبق لوزير البيئة