تسبب مقتل عثمان- رضى الله عنه- فى فتح باب الفتنة على مصراعيه لتنتشر الأحاديث الموضوعة كالنار فى الهشيم حتى وصل عددها عشرات الآلاف فقد اعترف الزنديق عبدالكريم بن أبى العوجاء قبل مقتله بأنه وضع لوحده ما يقرب من 4000 حديث ليتجرأ التجار والباعة باختلاق أحاديث لتسويق بضائعهم وهو ما أشار إليه ابن الجوزى فى كتابه الموضوعات وأفرد له بابًا كاملًا نذكر بعضها على سبيل الطرفة «صغروا الخبز وأكثروا عدده» وآخر يبرر بيع الفول مع قشره فيروى: «من أكل فولة بقشرها أخرج الله منه من ألدّاء مثلها» وبائع آخر يبدو أن اسمه كان باسم أحد الأنبياء فروى: «أن من بركة الطعام أن يكون عليه رجل اسمه اسم نبى» ومن هذا المنطلق السقيم ظهر نظام الطيبات الذى يدعى صاحبه أنه الهرم الغذائى القرانى مستوحى من ايات قرآنية متفرقة يتم تأويلها بلوى متعمد لعنق النص حتى يبرهن على أصل وتطابق مفهوم «الطيبات» مع تلك الأطعمة التى تجمع بين الحِلّ الشرعى والنفع البدنى، يعتقد البعض أن التداوى بالطعام او التغذية العلاجية «Medical Nutrition Therapy» نظرية جديدة اخترعها ضياء العوضى، بل هو علم تطبيقى مبنى على أسس هندسية وبيولوجية وفيزيائية، وليس مجرد نصائح عامة تستخدم فى إدارة الأمراض، ويعد أنطوان لافوازييه هو الأب الروحى لعلم التغذية العلاجية فهو أول من اكتشف عملية الأيض فى عام 1770، ومن المعاصرين الذين لهم إسهامات كبيرة د سيدانت بهارجافا ود مارك هايمان وسبق كل هؤلاء ابن سينا الذى ابتكر وسيلة تنقية الجسم من السموم عن طريق التغذية ، حيث أقر شرب الحليب صباحًا بدون معالجته بطريقة الطبخ أو التخمير لما يحتويه على مادة ثنائية الأمينات تساعد على نقاء البشرة وتنقية الأمعاء من الفضلات وهذا ما يناقضه نظام الطيبات الذى لم يخضع للإجراءات العلمية المتبعة عالميًا وعندما سئل العوضى عن السبب جاء رده الصادم كيف لشيخ الأزهر أن يعترف بالمهدى المنتظر وكيف لمنظمة الأغذية الأمريكية FDA أن تقبل أبحاثه التى هى بالأساس وضعت لتهدم سلطانها الرأسمالى الذى يمص دماء المعدمين.
لا شك أن ضياء العوضى ظاهرة استثنائية فهو خليط مدهش من الثقة المفرطة بالنفس تصل لدرجة paranoia أو جنون العظمة، دوجمائى يرفض مبدأ الاختلاف والمناقشة لديه كاريزما مصرية معجونة بموهبة فطرية فى فك «شفرة لغة التوكتوك» سحر العوام بخطاب دينى سطحى مغلوط لكنه جذاب وعاطفى يدغدغ المشاعر على طريقة الشيخ كشك أما سرديته عن مافيا الدواء فتثير مشاعر الخوف والأمل ليربط كل ذلك بمعلومات واصطلاحات طبية انتقائية، للأسف فى ظل تجذر ثقافة «اسأل مجرب ولا تسأل طبيب» وتضاؤل حصول الفقراء على خدمات صحية مقبولة افتتن قطاع كبير من المصريين بتمرد وجرأة «العوضى المنتظر» لكن وبمنتهى الموضوعية والتجرد تجربة الراحل ليست سلبية تمامًا، بل بها نتائج ومؤشرات تستحق التأمل فقد أثبت عمليًا أن أقناع المصريين بجدوى ترشيد الاستهلاك مما يلجم جشع التجار وإجبارهم على خفض الأسعار ليس مستحيلًا، وأن المبادرات غير التقليدية فى المجال الصحى المتداعى تستطيع أن تحقق نتائج إيجابية وكشف أيضًا عورة المنظومة الإعلامية بشقيها الرسمى والخاص فهى بحاجة ماسة للمراجعة الفورية بعد فشلها الذريع فى التصدى لتلك الظاهرة.
أعتقد أن مؤسسات الدولة يجب عليها استخلاص الدروس بالتعاطى بجدية مع ظاهرة العوضى بتكليف لجان علمية رفيعة المستوى من علماء النفس والاجتماع بدراسة مستفيضة لكل جوانبها لأنها مرشحة للتكرار فى مجالات أخرى مسترشدين بهدى العلامة ابن خلدون الذى قال «إن الفتن التى تتخفى وراء قناع الدين تجارة رائجة جدًا فى عصور التراجع الفكرى».
بمناسبة ردود فعل المصريين المثيرة على وفاة العوضى وربطها بنظرية المؤامرة ترحمت كثيرًا على المبدع الكبير يحيى حقى صاحب رواية قنديل أم هاشم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض