رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كبسولة فلسفية

 

هناك لحظة لا يهرب منها أحد، مهما حاول: لحظة نقف فيها أمام المرآة، لا مرآة الزجاج، بل مرآة الوعي. تلك المرآة التي لا تهتم بمظهرنا، بل بما نخفيه خلف الكلمات والانشغال والتظاهر بالقوة. الوقوف أمامها يحتاج شجاعة أكبر بكثير من مواجهة العالم؛ لأن العالم قد نكذب عليه، لكن المرآة الداخلية لا ترحم، يا صديقي. أصعب ما في مواجهة الذات أنك لا تستطيع الاختباء. كل خوف قديم يعود، وكل ضعف حاولت تجاهله يظهر بوضوح مؤلم، وكل وهم عن نفسك يتشقق فجأة. وكأن المرآة تقول لك: هذا أنت… بلا تبرير، بلا مكياج نفسي، بلا قصص تخدر بها حقيقتك. في تلك اللحظة تتعرى الروح، وهذا التعري هو أول خطوة نحو الحرية.

نحن نخاف المرآة لأن فيها جزءًا من الحقيقة التي نؤجل مواجهتها. نخاف أن نكتشف أننا لسنا بالشجاعة التي ندعيها، ولا بالصلابة التي نرتديها، ولا بالنضج الذي نتظاهر به. نخاف أن نرى الطفل الذي ما زال يرتعش في الداخل، أو الجرح الذي لم يلتئم مهما مرت السنوات. نخاف أن ندرك أن بعض علاقاتنا ليست حبًا بل هروب، وأن بعض نجاحاتنا ليست شغفًا بل خوفًا من الفشل، وأن بعض صمتنا ليس حكمة… بل عجز، يا عزيزي. لكن الغريب أن الشجاعة الحقيقية لا تتجلى عندما نواجه الآخرين، بل حين نواجه أنفسنا بلا دفاع ولا قناع. لأن المرآة ليست عدوًا، بل بوابة نمر منها كي نصبح أكثر صدقًا، وأكثر وعيًا، وأكثر قدرة على بناء حياة تشبهنا فعلًا.

والحقيقة أن مواجهة الذات ليست رحلة تُنجز في يوم، بل تمرين يومي: أن تعترف بخطأ دون أن تكره نفسك، وأن ترى ضعفك دون أن تحكم عليه، وأن تفهم سبب ألمك بدل أن تهرب منه. أن تتحمل حقيقة أنك ما زلت تتعلم، وما زلت تخطئ، وما زلت تنضج، صديقي القارئ. ما يجعل هذه المواجهة شجاعة هو أنها تحرير. حين ترى نفسك بوضوح، يمكنك أن تختار، ويمكنك أن تغيّر، ويمكنك أن تتوقف عن تكرار الدائرة نفسها، ويمكنك أن تمنح نفسك بداية جديدة دون خجل من البدايات.

في النهاية، نحن لا نحتاج مرآة تجملنا، بل مرآة تذكرنا بمن نريد أن نصبح. والوقوف أمامها ليس فضيحة، بل قوة. قوة من يعترف بالحقيقة ثم يصنع منها حياة أكثر صدقًا، وأكثر عمقًا، وأكثر شبهًا بحلمه القديم. هذه هي الشجاعة الحقيقية: أن تواجه نفسك… ثم تكتشف أن المعركة الحقيقية لا تبدأ عند الاعتراف، بل عند التغيير. وكيف يولد التغيير الحقيقي ببطء، بينما نظنه يحتاج معجزة؟ اترك هذا السؤال يلاحقك هذا الأسبوع..ففي الكبسولة الفلسفية القادمة السبت المقبل، سنكسر المرآة معًا.. ونعطيك المفتاح الذي إما سيفتح باب سجنك، أو يغلقه عليك للأبد.

 

بقلم/ محمد جادالله

كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط

[email protected]