رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

«الطيبات».. من نظام غذائى إلى عقيدة تُحرم ما أحل الله!

بوابة الوفد الإلكترونية

لم يعد ظهور أنظمة غذائية جديدة أمرًا يثير الدهشة، بعدما اعتاد الجمهور على موجات متلاحقة من الحميات، من الصيام المتقطع إلى «الكيتو»، غير أن المشهد تبدّل مع شيوع «نظام الطيبات»، الذى ارتبط باسم طبيب التخدير والعناية المركزة الراحل ضياء العوضى، لأنه تجاوز فى طرحه حدود الطب، مُتجهًا إلى تأويل الآيات القرآنية لإثبات رؤيته، ليضفى على نظامه الغذائى طابعًا من القداسة، أسهم فى قبوله لدى البعض دون تمحيص أو تدقيق، وقد أسهمت وفاته فى منتصف أبريل 2026، بعد جدل انتهى بشطبه من نقابة الأطباء- فى انتشار أفكاره حتى تشكّلت حوله دائرة من الأتباع، وكأنهم طائفة تعزف منفردة، تُحرم الدجاج والبيض ولكن تحتضن التدخين والسكريات، عاصفة بكل الثوابت الطبية والعلمية، واشتدت الصورة تطرف بنظريات حولت العوضى إلى "شهيد العلم والمؤامرة" لموته فى ظروف غامضة، فهل يحق لإنسان، وإن كان طبيبًا، أن يحول الأنظمة الغذائية إلى عقيدة تحرم ما أحله الله؟

 

«الطيبات» و«الخبائث»

اللافت أن العوضى سعى إلى إضفاء بعد دينى على طرحه بداية من مسمى النظام»الطيبات»، وهو مصطلح جاء فى أكثر من موضع فى القرآن الكريم بمعنى الحلال النافع، مثل قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِى الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا»، و«وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا»، و«يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا». 

وهنا توضح كتب التفسير، ومنها ابن كثير والسعدى، أن معنى «الطيبات» فى القرآن الكريم يرتبط بما أحله الله وكان موافقًا للفطرة ومحققًا للنفع للإنسان، دون أن يُفهم منه وضع قيود أو قوائم تحريم جديدة على ما هو مباح أصلًا، كما أن مفهوم «الطيبات والخبائث» فى التصور الإسلامى يقوم على أصل لغوى وشرعى يرتبط بإباحة ما استقرت عليه الفطرة السليمة ولم يرد نص بتحريمه، كما فى قوله تعالى: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ}، وهو ما يقرره علماء الأصول من أن الأصل فى الأطعمة الإباحة، وأن تضييق ما وسّعه الشرع أو تحريم المباح دون دليل قطعى يعد تجاوزًا للقواعد الشرعية والمقاصد العامة.

 

الأصل فى الأشياء الإباحة

وقد أكد الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، على السابق قائلًا إن الفقه الإسلامى خصص بابًا للأطعمة والأشربة يوضح ما هو مباح وما هو محرم، والتحليل والتحريم فى مسألة الأكل والشرب من اختصاص الله تعالى وحده، وليس من حق أى فرد أن يقرر ذلك من تلقاء نفسه، مستدلًا بقوله تعالى: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ».

وأوضح كريمة أن الشريعة بيّنت المحرمات بنصوص صريحة، كما فى قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ»، إلى جانب ما ورد فى السنة النبوية من نهى عن بعض اللحوم، مثل لحوم الكلاب والحمير، مشددًا على أن هذه الأحكام جاءت بدليل شرعى واضح، وأن غياب النص يفتح باب الإباحة، وإلا تحولت المسائل إلى فوضى يقرر فيها كل شخص ما يشاء من تحليل أو تحريم.

 

تحريم البقوليات «الطعام الأدنى»

واستدل العوضى بقوله تعالى فى سورة البقرة: «أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَ خَيْرٌ»، ليزعم أن البقوليات (الفول والعدس والبصل) هى أطعمة «دنيئة» ومضرة لا يأكلها إنسان، وفى هذا السياق أوضح الدكتور عطية لاشين، أستاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون وعضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف، أن الاستدلال بآية عتاب بنى إسرائيل فى القرآن الكريم، لا يدل بأى حال على تحريم هذه الأطعمة، مشيرًا إلى أن النص القرآنى لم يأتِ بتحريم لها، وإنما ورد فى سياق العتاب على تبديل الأفضل بما هو أدنى، وأن ما قد يسببه بعض هذه الأطعمة من أضرار لبعض الأشخاص يعود إلى الإفراط أو الحالة الصحية الفردية، لا إلى حكم التحريم.

 

تحريم الدجاج والبيض

بنى العوضى جزءاً كبيراً من منع الدجاج فى نظامه على زعم مفاده بأن النبى- صلى الله عليه وسلم- لم يأكل الدجاج، وهو ما رد عليه الدكتور أسامة قابيل، من علماء الأزهر، بالنفى القاطع مستشهداً بما ورد فى صحيح البخارى عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه: «رأيت النبى صلى الله عليه وسلم يأكل دجاجاً»، وهو ما يعد دليلًا على الإباحة وعدم وجود أى كراهة شرعية فى أكله.

كما استدل على تحريم الدجاج على كونه من «الجلالة» التى تتغذى على النجاسات، أوضح الدكتور عطية لاشين أن الشريعة فرّقت بوضوح بين الحيوان الذى يتغذى على القاذورات وبين الحكم الشرعى المتعلق به، حيث أجاز الفقه الإسلامى استبراءه بإطعامه طعامًا طاهرًا لمدة محددة حتى يزول أثر التغذية غير النظيفة ويصبح لحمه جائز الأكل، دون أن يصل الأمر إلى تحريم مطلق له. 

كما شدد «لاشين» على أن ما يُتداول بشأن عدم أكل النبى صلى الله عليه وسلم للدجاج لا يستند إلى دليل شرعى ثابت، مرجحًا أن بعض الأطعمة لم تكن شائعة فى بيئته أصلًا، ومؤكدًا فى الوقت ذاته أن امتناع النبى عن طعام معين فى حال وقوعه لا يُفهم منه التحريم، وإنما قد يكون مرتبطًا بظروف أو تفضيل شخصى لا علاقة له بالحكم الشرعى.

 

منع الألبان بعد الفطام

وفيما يتعلق باللبن، يستند نظام الطيبات على أن الألبان لا تناسب الاستهلاك البشرى بعد مرحلة الفطام، فى حين تؤكد النصوص الدينية والسنة النبوية مكانة اللبن بوصفه غذاءً ذا قيمة عالية، وفى السياق ذاته، أوضح الدكتور أحمد كريمة أن اللبن من الأغذية المهمة للجسم لما يحتويه من عناصر نافعة، مستشهدًا بقوله تعالى: «مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ»، مؤكدًا أن الاستفادة من الأطعمة يجب أن تُفهم فى إطارها العلمى والشرعى، وأن اختلاف احتياج الأجسام لبعض الأغذية أمر طبيعى، ما يستدعى الرجوع إلى المختصين من الأطباء وأهل العلم، لا إلى اجتهادات غير منضبطة.

كما يشير الهدى النبوى إلى رمزية اللبن فى أكثر من موضع، أبرزها ما ورد فى حادثة الإسراء والمعراج حين خُيّر النبى صلى الله عليه وسلم بين اللبن والخمر، فاختار اللبن، فقيل له: «هُديت للفطرة»، فى دلالة على ارتباطه بالاعتدال والفطرة السليمة فى التصور الإسلامى.

 

الأدوية مؤامرة 

وفى امتداد الجدل المرتبط بـ«نظام الطيبات»، يستند الطيبات إلى نظرية المؤامرة من شركات الأدوية، ويُروّج لفكرة أن الالتزام بالنظام وحده، مع إيقاف أدوية الأمراض المزمنة مثل الإنسولين وأدوية الضغط والسكر وحتى جلسات الغسيل الكلوى والعلاجات الخاصة بالأورام، كفيل بالشفاء التام، مستشهدًا بقول الله تعالى: «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ» فالإنسان بناء على ذلك لا يحتاج إلى أدوية.

 وهى أطروحات نفتها جهات طبية ودينية واعتبرتها مخالفة للمعطيات العلمية الراسخة وخطراً مباشراً على حياة المرضى، وعلى ذلك شدّد الدكتور عطية لاشين على خطورة الدعوة إلى وقف العلاج الطبى اعتمادًا على آراء فردية غير مؤسسة علميًا أو شرعيًا، معتبرًا ذلك خروجًا عن مقاصد الشريعة التى تقوم على حفظ النفس وصيانتها، فضلًا عن تعارضه مع أصول الطب والعلم الحديث.

وأوضح أن مفهوم التداوى فى الإسلام واضح ومؤصل، مستشهدًا بقول النبى صلى الله عليه وسلم: «تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء»، بما يؤكد أن طلب العلاج لا يتعارض مع التوكل، ولا يجوز تركه دون مبرر شرعى أو طبى معتبر.

كما أشار إلى أن الخوض فى قضايا الطب والفتوى دون تأهيل علمى دقيق قد يؤدى إلى نتائج خطيرة تمس حياة الناس مباشرة، لافتًا إلى أن لكل مجال أهله من المتخصصين، وأن الدين بريء من كل دعوة تُفضى إلى إهلاك النفس أو تعطيل أسباب العلاج، محذرًا من الانسياق وراء الشائعات والمحتوى غير الموثوق المنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعى دون تحقق علمى أو منهجى.

وكذلك أكد الدكتور أسامة قابيل، أن حفظ النفس من المقاصد الكلية الكبرى فى الشريعة الإسلامية، وأن هذا الأصل الشرعى جاء تأكيده فى القرآن الكريم فى مواضع متعددة، منها قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، وقوله سبحانه: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}، مشيرًا إلى أن هذه النصوص تؤسس لقاعدة واضحة بوجوب تجنب كل ما يترتب عليه ضرر محقق أو غالب الظن.

وأضاف أن السنة النبوية أكدت مبدأ الأخذ بالأسباب فى العلاج، حيث قال النبى صلى الله عليه وسلم: «تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواء»، وهو ما يدل على مشروعية التداوى، لكنه مشروط بالرجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص، وعدم الانسياق وراء التجارب الفردية أو الادعاءات غير المبنية على أساس علمى.

ورغم جدل الجمهور حول نظام الطبيات، يتفق علماء الشريعة والأطباء على خطورته فى تحويل الاجتهادات الفردية إلى قناعات مُطلقة تُقدَّم باعتبارها بديلًا عن النص الشرعى والعلم الطبى، وبينما تؤكد الشريعة الإسلامية أن الأصل فى الأطعمة الإباحة وأن حفظ النفس مقصد أساسى، يشدد المختصون على أن العلاج لا يُستبدل بالتجارب، وأن الفتوى لا تنفصل عن العلم، تمامًا كما لا ينفصل الطب عن ضوابطه.