دماء على طاولة المفاوضات
كلما اقتربت السياسة من الحل اقتربت الطائرات أكثر من أهدافها ليس فى غزة وحدها وإنما فى لبنان وإيران على حد سواء، ومنذ أكتوبر الماضى تاريخ توقيع اتفاقية سلام غزة فى شرم الشيخ طبقًا للخطة الأمريكية والاحتلال يواصل انتهاكه لما وقع عليه من التزامات جف حبرها على الورق بينما. غرقت الأرض بدماء آلاف الضحايا الفلسطينيين ما بين شهيد ومصاب على مدار أكثر من 210 يومًا.. وبينما كان رئيس حركة حماس خليل الحية يتابع المفاوضات فى القاهرة كانت حكومة الاحتلال الصهيونية برئاسة بنيامين نتنياهو ترتكب مجزرتين فى حى الصحابة بمدينة غزة، حيث أعلن الاحتلال اغتيال عزام الحية رئيس الوفد المفاوض، وهو الشهيد الرابع للحية توأم الشهيد همام تزامنا مع الإعلان أيضا عن اغتيال قائد وحدة الرضوان ونائبه فى حزب الله بالجنوب اللبنانى.
وتسير تل أبيب على نفس السيناريو بالتفاوض بالدم، ولهذا، يتشكل انطباعٌ متزايدٌ لدى الفصائل بأن الاحتلال يستخدم التصعيد العسكرى كأداة ضغط تفاوضى، كلما اقتربت النقاشات من نقطة يمكن البناء عليها سياسيا. وكأن الرسالة الصهيونية الدائمة تقول إن أى تقدم على الطاولة يجب أن يمر أولًا عبر ميزان القوة والنار.
ويصعد نتنياهو الحرب على غـزة فى حال التوصل لترتيبات وكذلك وقف إطلاق النار فى لبنان لصنع صورة نصر.
هذا المشهد يعيد إلى ذاكرة حماس والفصائل أيضًا واحدة من أخطر اللحظات المرتبطة بمسار التفاوض خلال حرب الإبادة حين تعرض وفد حماس المفاوض برئاسة الحية لمحاولة اغتيال غير مباشرة فى سبتمبر الماضى فى الدوحة، بينما كانت الحركة تدرس مقترحا أمريكيا جديدا يتعلق بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى.
وأسفر الهجوم وقتها عن استشهاد عدد من المرافقين، بينهم همام الحية، نجل خليل الحية، إضافة إلى مدير مكتبه، بينما نجا قادة الوفد. وفى ذلك الوقت، تزامنت أجواء التفاوض مع تصعيد أمنى واستخبارى مكثف، دفع الحركة إلى رفع مستوى إجراءاتها الأمنية والتعامل مع ما جرى باعتباره رسالة إسرائيلية واضحة مفادها أن مسار التفاوض نفسه يمكن استهدافه بالنار والاغتيال، وليس فقط بالضغوط السياسية.
واليوم، يبدو المشهد وكأنه يتكرر بصورة أكثر قسوة، فالوسطاء خلال الأيام الأخيرة بذلوا جهدًا واسعا لإعادة صياغة بعض البنود والكلمات، خصوصًا ما يتعلق بخارطة الطريق وملف السلاح، فى محاولة للوصول إلى صيغة قابلة للتسويق أمريكيا وإسرائيليا.
ولكن فى كل مرة كانت الفصائل تُظهر مرونة أو تقدم صياغات إيجابية، كانت تظهر اعتراضات إسرائيلية جديدة تعيد اختزال المشهد كله فى بند واحد: نزع السلاح.
وعلى الرغم من هذه الوتيرة الدامية، الا أنه لا يبدو أن المسار التفاوضى قد انهار بالكامل. بل على العكس، ما زالت الفصائل تتعامل مع جهود الوسطاء باعتبارها الخيار الأكثر واقعية لمنع العودة إلى حرب واسعة، خصوصًا مع المتغيرات الإقليمية والدولية، واقتراب الاستحقاقات الانتخابية فى الولايات المتحدة وداخل الكيان الإسرائيلى.
ولكن بات واضحا أن الوسطاء يواجهون معضلة حقيقية، فهناك تفهم متزايد للموقف الفلسطينى، يقابله عجز واضح عن ممارسة ضغط فعلى على الاحتلال أو انتزاع التزام أمريكى قادر على تحويل التفاهمات النظرية إلى وقائع ميدانية.
ولهذا تبدو الصورة الآن شديدة التعقيد. على أرض الواقع فإن المفاوضات لم تفشل لكنها تنزف ولم يغادر الوسطاء الطاولة لكنهم يتحركون داخل هامش ضيق. أما غزة، فما تزال تدفع الثمن ذاته فى كل مرة:
وأعلن رئيس حركة حماس فى قطاع غزة خليل الحية، ان اجرام الاحتلال الإسرائيلى وإجرامه المتواصل بحق أهالى قطاع غزة «لا يبررهه شىء مؤكدا أن الاحتلال متمرد على كل القرارات والاتفاقيات.
وأشار «الحية» فى تصريحات صحفية إلى أنَّ المفاوضات تراوح مكانها بفعل التعنت الإسرائيلى وعدم الالتزام باتفاق شرم الشيخ، إذ يضرب بعرض الحائط كل شىء، ما يضع الضامنين والوسطاء أمام مسؤولياتهم.
وقال «الحية»: «قمنا بمبادرات عدة وقدمنا كل التزاماتنا والاحتلال لم يلتزم، فهو يقف بمكان محدد ولا يريد الالتزام وهو ما يعرقل الانتقال إلى المرحلة الثانية».
وأضاف: «إذا طبق الاحتلال الإسرائيلى المرحلة الأولى فنحن جاهزون لنقاش المرحلة الثانية»، مشدداً على ضرورة قيام الضامنين والوسطاء إلزام الاحتلال الإسرائيلى بتنفيذ الاتفاق، وذلك لوجود «أوراق واضحة واتفاق موقعون عليه». واعتبر أنَّ تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق هو عنوان التزام الاحتلال الإسرائيلى.
وتساءل فى تصريحاته عن إمكانية الانتقال إلى المرحلة الثانية دون السماح للجنة التكنوقراط بالدخول قائلاً:» هل يمكن الانتقال إلى المرحلة الثانية ولا يسمح للجنة التكنوقراط بالدخول إلى قطاع غزة»؟
وتطرق «الحية» إلى استهداف الاحتلال اهالى حى الدرج بمدينة غزة ما أدى إلى اغتيال نجله «عزام». وأكد أنَّ «جميع من يستهدف فى غزة هم أبناؤنا مضيفاً:» وكل الشعب الفلسطينى مستهدف وهذه أعمال الاحتلال ولا يبررها شىء».
ونددت حركة حماس بالجريمة الصهيونية الجبانة التى استهدفت عزام الحيّة نجل رئيس الحركة فى قطاع غزة ورئيس وفد المفاوضات، ووصفتها بأنها تمثّل استمراراً لنهج الاحتلال القائم على استهداف المدنيين وعائلات القيادات الفلسطينية ضمن محاولاته الفاشلة للتأثير على إرادة المقاومة ومواقفها السياسية عبر الإرهاب والقتل والضغط النفسى.
وأكدت أن التناقض والارتباك اللذين رافقا الرواية الصهيونية حول عملية الاستهداف يكشفان حجم التخبط الذى تعيشه حكومة الاحتلال كما يعكسان بوضوح أن هذه الجريمة جاءت فى إطار محاولات ممارسة الضغوط على قيادة المقاومة ووفدها التفاوضى بعد إخفاق الاحتلال فى فرض شروطه أو تحقيق أهدافه المعلنة.
وقالت حماس «سبق أن تعرّض الدكتور خليل الحيّة والوفد المفاوض لمحاولة اغتيال آثمة فى الدوحة ارتقى خلالها عدد من الشهداء من أبناء شعبنا ومن الشعب القطرى العزيز بينهم نجله الشهيد همام الحيّة».
وفيما يتعلق بالجبهة اللبنانية فالحال لا يختلف عن غزة. فلقد نفذ الاحتلال استهدافا للضاحية الجنوبية فى بيروت للمرة الأولى منذ سريان اتفاق الهدنة.
وقال بنيامين نتنياهو إنه وجه، بالتنسيق مع وزير الحرب يسرائيل كاتس، بمهاجمة قائد قوة الرضوان التابعة لحزب الله فى بيروت.
وأكدت صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية أن تقديرات الاحتلال تشير إلى نجاح عملية اغتيال قائد قوة الرضوان فى حزب الله.
وكان اتفاق وقف إطلاق النار قد دخل حيز التنفيذ منتصف ليل 16 - 17 أبريل الماضى، إلا أن إسرائيل واصلت تنفيذ غاراتها واعتداءاتها على الأراضى اللبنانية، خاصة فى الجنوب ومنطقة البقاع، قبل أن توسع استهدافاتها مجدداً نحو الضاحية الجنوبية لبيروت.
كما يشعر الليكود بالقلق من حقيقة أنه لا يوجد «نصر مطلق» لا فى غزة ولا فى لبنان.
ومثل نتنياهو، أمام المحكمة المركزية فى تل أبيب للمرة الـ 84، لمواصلة الرد على اتهامات الفساد الموجهة إليه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض