في ذكرى سيد الموسيقى "عبدالوهاب الابن" للوفد.. مشروع عملاق لتراثه ومسلسل وترميم أفلامه
«عبدالوهاب»، سيد الموسيقى بلا منازع، وهو أيضا أجمل صوت بشرى، هذا هو موجز القول فى موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، الذى يستحق منا أن نحتفى به احتفاءً يكون على قدره لا على قدرنا، فسيذكر التاريخ أن «عبدالوهاب» قدم ما قدم من جمال أسطورى عبر سفينة التطوير وجاء قوم من بعده ليسوا له بأهل، عقّوه بما لا يستحق، ولم ينزلوه منزله المبارك، وفى هذه الذكرى لرحيله نذكر كل من له صلة أو معنى برموز مصر أن يفعل ما بوسعه فى تخليد وتعريف الأجيال الجديدة برموزها، كى لا تنقطع صلتهم بتاريخنا المجيد، فإذا انقطعت الصلة ما بين مصر وما بين تاريخها لن تجد جميلاً بل ستجد ضجيجاً يسمى «فناً»، وبفقد الصلة ما بين المصرى الآن وبين أبيه ومن قبله بجده، فإنما تتحول مصر من بلد إنتاج مستمر للعظمة إلى كنز تحت أنقاض، ميّز «عبدالوهاب» عن غيره أنه جمع ما بين إبهار الجمال وجدة التطوير، ولم يكن التطوير لديه مجرد شكل بل كان فى عمق تجربته الكبيرة ذاتها، ومن العجيب أنه التقى بأمير الشعراء أحمد شوقى، الذى كان «كلاسيكياً» فى مجمل أعماله الشعرية إلا أن «عبدالوهاب» الذى رباه «شوقى» كان متجدداً متطوراً فى مجمل أعماله، وكان لـ«شوقى» ورفاقه وجيله الذى اقترب منه «عبدالوهاب» واقترب منه هذا الجيل أكثر الأثر فى تكوين شخصية «عبدالوهاب» وهنا نتساءل: أى فنان يحاول الآن أن يكون شيئاً فليجبنا من يعرف ومن يصادق.
تحدثت مع محمد محمد عبدالوهاب الابن الأكبر لموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب أحمل تبعة حبى وتقديرى لمحمد عبدالوهاب وسألته: إن لـ«عبدالوهاب» أعمالاً لم تظهر للنور، وأعمالاً لحنها لغيره يغنيها هو بصوته، وليس هناك صوت أجمل من «عبدالوهاب»، فلماذا لم تظهر هذه الأعمال للجماهير التى طالما ازداد عطشها لنبع الجمال محمد عبدالوهاب؟
أجابنى «عبدالوهاب الابن»: نحن أسرة «عبدالوهاب» نعمل حالياً على إحياء تراث محمد عبدالوهاب، ليصل إلى الأجيال الجديدة، وبطريقة علمية وعصرية وقد أحيت الأسرة لـ«عبدالوهاب»» حفلين خلال الفترة الماضية إحداهما كان فى الرياض والثانى فى لندن وسنواصل هذه الحفلات ونعمل الآن على إعداد كتاب وثائقى عن «عبدالوهاب» وكذلك نعمل على تقديم مسلسل يليق به.
كما أننا نعمل على تنظيف أفلام «عبدالوهاب» وعددها ستة أفلام، قمنا بتنظيف فيلم منها سنطرحه قريباً، فلقد كان تصوير أول أعمال «عبدالوهاب» السينمائية عام 1933، وسنفعل نفس الشىء مع ما تبقى من فيلم «لست ملاكاً» وهذا مجهود وإنتاج ضخم فغسل الأفلام وتنظيفها يحتاج إلى زمن وإنفاق كبير، وكل مشروع «عبدالوهاب» سيعمل عليه الأحفاد الذين يبلغون أحد عشر حفيداً، ليقدموا «عبدالوهاب» بصورة جديدة تتفق ورؤى وأطروحات هذا الزمن، ومشاركتى ومشاركة إخوتى على هذا المشروع لإحياء تراث «عبدالوهاب» مشاركة إشرافية نبارك فيها خطاهم.
وسألت «عبدالوهاب الابن» أنه لا يفوق أحد صوت «عبدالوهاب» فلماذا تحرم الأجيال الجديدة ومحبو صوته وألحانه من هذه الأعمال؟ فأجاب: هو بالفعل كذلك، صوت عظيم كرجل لا يفوقه أحد، ويعمل الأحفاد على طرح هذه الأغنيات تباعاً لتتحقق المتعة والنشوى بأغنيات بصوت «عبدالوهاب».
وحول «عبدالوهاب» الإنسان يقول الابن محمد محمد عبدالوهاب: لقد تحدثت مراراً وتكراراً عن صلتى بأبى الذى لم يفارقنى يوماً، فهو حاضر معنا فى كل حال رحمه الله، وأما «عبدالوهاب» الفنان فأنت أدرى به من أواخر ألحان «عبدالوهاب» أغانيه لـ«وردة» «بعمرى كله حبيتك» و«أنده عليك» و«فى يوم وليلة» وقد ذكر لى الموزع الموسيقى الكبير ميشيل المصرى أن «عبدالوهاب» حين غنى له هذه الأعمال بصوته كان مبهراً قاتلاً بجماله، فلا يستطيع أحد أن يغنى مثلما يغنى «عبدالوهاب»، ومن أعماله الأخيرة أيضاً «من غير ليه» والتى غناها بصوته فصارت حدثاً غنائياً لا يزال أصداؤه حتى اليوم، ولحن «أسألك الرحيلا» والمطروحة بصوته أيضاً فغناها أفضل مما غنتها مطربتها نجاة.
وكذلك لمحمد ثروت «عاشت بلادنا» و«يا حياتى» و«عينا السهرانين» و«مصر بيتنا»، وأوبريت «الأرض الطيبة»، ومن قبل أغنياته العبقرية لعبدالحليم حافظ ولكوكب الشرق أم كلثوم وعلينا أن نستمع إلى غناء «عبدالوهاب» لرائعته «ودارت الأيام» بصوته فى حضور أم كلثوم وبين تأدية أم كلثوم لهذه الأغنية، فقد كان «عبدالوهاب» أكثر إبهاراً وقدرة على التصريف رغم عظمة وزعامة صوت أم كلثوم وهكذا صوت عبدالوهاب وتأديته فى كل لحن كان يحفظه لغيره وقد كشف لنا «يوتيوب» حين أصبحت هذه التسجيلات للبروفات مطروحة عليه إلى هذا الجمال الخرافى لتأدية «عبدالوهاب» و«سلطنة» و«رزانة» و«نقاء تأديته».
وأذكر حكاية هنا سردها لى الناقد العظيم د. عبدالمنعم تليمة إذ وصف لقاء جمعه بالشيخ محمد رفعت والموسيقار محمد عبدالوهاب فى بيته وفى نهاية اللقاء قال الشيخ رفعت لـ«عبدالوهاب»»: «يا محمد خلى لنا شوية نقرا بيهم»، إذ كان الشيخ رفعت يحب صوت «عبدالوهاب» ويداعبه ويمتدحه فى ذات الوقت بهذا الوصف والتوصيف.
وأصبحنا أيضا بفضل «يوتيوب» ندرك كم كان صوت «عبدالوهاب» جميلاً ولا مثال له، ومن بين ذلك أغنية «إنت عمرى» فقد قدمت فى بعض مقاطعها بصوت «عبدالوهاب» فتبين لنا مع كل لحن بصوته أنه لا مثيل له فى روعته، هذا بالإضافة إلى المقدمة الموسيقية المتفلسفة المتسائلة ما بين صوت «الكونترباص» و«القانون» حتى يدخل الإيقاع وتتوالى فلسفة وأسئلة المقدمة فكانت فتحاً موسيقياً ظل كثير من الموسيقيين يحذون حذوه مع كل عمل من أعمال «عبدالوهاب» جمال فخم وثراء مدهش وتجديد فى العمق والشكل، محافظاً على روح العمل الفنى.
ورسالتنا فى هذه الذكرى لـ«عبدالوهاب» إلى الجميع: «اذكروه».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض