بين الحين والحين أطالع أحدث الكُتب العالمية التى تتناول سير النجباء والنابغين فى العالم. ومن بين الكتب التى وصلتنى مؤخرا بعد أن قرأت عنها مقالا نقديا فى «الجارديان» كتاب «الآلة اللانهائية» The Infinity Machine الذى يروى سيرة واحد من رواد الذكاء الاصطناعى المتميزين فى العالم وهو ديمس هاسباس Demis Hassabis.
وصدر الكتاب الذى قام بتحريره سباستاين مالابى عن دار «بنجوين» العالمية للنشر فى أكثر من 400 صفحة، وقد جلس هاسباس مع المؤلف لنحو ثلاثين ساعة ليقدم سيرته المبهرة والمعلمة، وكيف تمكن من المشاركة فى تغيير العالم كله بثورة الذكاء الاصطناعى.
الجميل فى سيرة الرجل أنها تصلح درسا للشباب فى مختلف أنحاء العالم للحراك والتفوق، فقد ولد هاسباس فى أسرة فقيرة فى شمال لندن عام 1976 لأبوين مهاجرين، واحترف منذ سن الخامسة لعبة الشطرنج، ثُم اهتم بالبرمجة وبرع فى مجال الألعاب الإلكترونية، وعمل فى إحدى الشركات الكبرى المتخصصة فى الألعاب. وفى سن الثامنة عشرة عرضت عليه إحدى الشركات 500 ألف جنيه استرلينى حتى لا يتركها ويلتحق بجامعة كامبريدج نظرا لابتكاراته المربحة فى مجال الألعاب الإلكترونية.
وفى سن الثامنة والعشرين، سعى للهروب من ضغوط البزنس، فدرس الدكتوراه فى علم الأعصاب بجامعة لندن. وإلى جانب صديقين فقط هما شين لينغ ومصطفى سليمان أسس شركة كبرى للذكاء الاصطناعى، قلبت العالم كله.
ففى 2016 استخدم تقنيات الذكاء الاصطناعى فى التنبؤ بتحولات البروتينات وهو ما يمكن بفضله القضاء على كثير من الأمراض الخطيرة، فحاز هاسباس نتاج ذلك جائزة نوبل فى الكيمياء.
وما قاله صاحب السيرة فى كتابه فإن العالم تجاوز الفكر البشرى التقليدى، وأن أنظمة الذكاء الاصطناعى هى التى تقود العالم نحو تطوير نسخ أفضل. وبعبارته هو فإن الذكاء الاصطناعى لم يعد مجرد أداة لانجاز المهام ذاتها، بل إنه صار يسهم فى تطوير نفسه.
وهذا الكتاب وسيرة بطله يستحقان اهتماما من مجتمعنا الذى يضم أكبر شريحة شباب فى الشرق الأوسط، والتى يُمكن من خلالها احداث تغيرات عظيمة فى سبيل التنمية المستدامة. فالكتاب لا يعرض فقط سيرة شخص ناجح عالميا، لكنه أيضا يتحدث عن الذكاء الاصطناعى وحاضره ومستقبله وما يُمكن أن يؤدى إليه من تغيرات كبيرة فى العالم ككل.
وأتذكر أننى قرأت قبل أكثر من عام كتاب مصطفى سليمان رائد الأعمال البريطانى ذى الأصول العربية «الموجة المقبلة The Next Wave» والذى أحدث ضجة كبيرة فور صدوره لمناقشته أسئلة التحول الكبرى التى تشهدها البشرية بعد ابتكار الذكاء الاصطناعى وعلم الأحياء الصناعية. وكان مما ذكره أن الذكاء الاصطناعى يمكن أن يحل كثيرا من الألغاز والمشكلات والأمراض المميتة، بل إنه يمكنه ابتكار ألوان جديدة من الفنون والثقافات تعتمد على التخييل. وبالبايوتكنولوجى يمكن ابتكار عوالم صحية وبيئات سليمة خالية من الأمراض والفيروسات.
ولا شك أننا يمكن أن نتحدث مع الروبوت ونتجادل ونتناقش دون أن نعرف يقينا إن كان المتحدث معنا إنسانا أم آلة. فى عالم الغد ستكون الآلة هى شريكنا، ومستشارنا، وناصحنا، ومساعدنا، وسنقضى معظم الأوقات فى التحدث معها والتشاور، بل إن الآلة ستنظم حياتنا وتتابع مخاوفنا وتتعاون معنا فى جميع أعمالنا. وبالمناسبة بعض القوانين كما هو فى سنغافورة أصبحت تسمح بتعيين «الذكاء الاصطناعى» كعضو مجلس ادارة فى شركات المساهمة.
وكل هذا يستحق متابعة والتفاتًا واهتمامًا ممن يقرأون ويفكرون فى مصرنا الحبيبة.
وسلام على الأمة المصرية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض