رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

نشرت وسائل الإعلام مؤخرا أن جامعة الأزهر بصدد إنشاء مركز جديد تابع لها معنى بالطب النبوى، وهذا النبأ صدمنى صدمة قاسية. فمؤسسات العلم، تعلم أنه ليس هناك طب نبوي، وأن المصطلح القروسطى المتداول بين تجار الأعشاب والمتربحين من الوصفات الشعبية لا يقارب العلم، ولا يتصل بالطب، ولا ينتمى للدين، الذى هو عقائد وعبادات وأخلاقيات وتشريعات.

ما يُصر البعض على توصيفه بالطب النبوى، من حجامة وأعشاب ووصفات شعبية، يُرسخ لثقافة التخلف، ويحض النابغين والعباقرة على التجمد. فما يقال باعتباره أمرًا للنبى (ص) بهدف العلاج من الأمراض يمثل عدوانا على الدين أولا، قبل أن يكون اهدارًا للعلم.

لقد ظهر مصطلح «الطب النبوي» لأول مرة فى القرن الثامن الهجرى عندما صدر كتاب للإمام شمس الدين الذهبى المتوفى 748ه، بعنوان الطب النبوى يحمل العنوان ذاته، ثم أضاف ابن القيم الجوزية الفقيه الشهير، كتابا تفصيليا فى هذا الشأن، وقال فيه بوجود طب نبوى أعجز الأطباء. ثم جاء المفكر النابه ابن خلدون من بعدهما لينقد المصطلح ويؤكد أن كل ما ذكر باعتباره طبا نبويا ما هو سوى عادات بدوية مجربة قبل مجيء الإسلام ولا علاقة لها بالوحى أو الدين.

وقد كتب لنا ابن خلدون رأيا تقدميا عقلانيا قبل أكثر من ستمائة سنة يقول فيه «والطب المنقول فى الشرعيات من هذا القبيل، وليس من الوحى فى شيء وإنما هو أمر كان عاديًا للعرب. ووقع فى ذكر أحوال النبى صلى الله عليه وسلم، من نوع ذكر أحواله التى هى عادة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل. فإنه «ص» إنما بعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات. وقد وقع له فى شأن تلقيح النخل ما وقع، فقال : «أنتم أعلم بأمور دنياكم «. فلا ينبغى أن يحمل شيئًا من الذى وقع من الطب الذى فى الأحاديث المنقولة على أنه مشروع، فليس هناك ما يدل عليه، اللهم إلا إن استعمل على جهة التبرك».

وأتصور لو فكرنا بقليل من العقل لوجدنا أن النبى كان يلجأ إلى الطب والأطباء فى عصره، وأنه لو كان لديه علم طبى عميق لاستخدمه فى التداوى من مرض الزائدة الدودية الذى توفى به.

إننا لا ندرى كيف فكر مَن فكر فى مثل هذا المسار؟ ولم؟ وما الناتج المرجو؟ ولو صح أن هناك طبًا نبويًا، فما منع ألا يكون هناك جغرافيا نبوية، وهندسة نبوية، وفنون نبوية؟ ثُم ما الذى جدَّ لدى مشايخ الأزهر ليأتوا بما لم يأت به السابقون من قيادات الجامع والجامعة؟

يلف العالم المتقدم لفاته الرائعة، يلاحق الإنسان النابه كل ما هو أحدث ليصل إلى ما ينفع الناس ويمكث فى الأرض، لنقرأ عن تطور مذهل فى علاج الصمم، والشلل، وأمراض المناعة، والأورام السرطانية.

كل عام يضيف عالم منغمس فى المعمل ومتجرد للإنسانية ما ينفع البشر، كل البشر، بينما يعيد المستسهلون والناعسون فى بلادنا فى انتاج مصطلحات قروسطية ثبت اختلاقها لنشر الجهل والدجل والخرافة تحت حصانة كلمة «نبوي».

فما أبعدنا عن النبى الكريم عليه الصلاة والسلام.

والله أعلم

 

[email protected]