النفط يعيد رسم خريطة النفوذ الروسى فى سوريا
فى تحول لافت فى العلاقات ما بين موسكو ودمشق، باتت روسيا المصدر الأوحد للنفط الخام إلى سوريا بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد، وذلك رغم الموروث الشعبى والسياسى المعادى لموسكو بسبب دعمها العسكرى للنظام السابق على مدى 14 عاماً من الحرب
وتحولت موسكو إلى شريك «طاقى» لا غنى عنه لدمشق، وأظهرت بيانات تتبع السفن من منصات «مجموعة بورصات لندن» و«مارين ترافيك» و«شيبينكست»، ارتفاع شحنات النفط الروسية إلى سوريا بنسبة 75% خلال العام الجارى، لتصل إلى قرابة 60 ألف برميل يومياً، ورغم أن هذه الكمية تبدو هامشية فى سياق الصادرات النفطية الروسية الإجمالية، إلا أنها تشكل عنصراً حيوياً لبلد يواصل النضال مع عجز حاد فى الإنتاج المحلى وبنية تحتية مدمرة.
ومع مطلع ديسمبر 2024، شرعت روسيا فى ملء الفراغ الذى خلفته إيران، التى كانت المورد الرئيسى للنفط الخام لسوريا طوال سنوات الحرب الأهلية، قبل أن توقف طهران إمداداتها فور سقوط نظام الأسد.
ووفقاً لبيانات شركة «كبلر» المتخصصة فى تحليلات الطاقة، فإن روسيا كانت أول من أرسل ناقلة نفط إلى سوريا فى مرحلة ما بعد الأسد، واستمرت بتوريد 16.8 مليون برميل خلال عام 2025، أى ما يعادل 46 ألف برميل يومياً، موزعة على 19 شحنة فى الفترة الممتدة بين 28 فبراير و31 ديسمبر.
ويؤكد محللون سوريون أن لجوء دمشق إلى النفط الروسى يعكس فى جوهره ضرورات اقتصادية ملحة، فى ظل ضعف اندماج سوريا فى النظام المالى العالمى رغم تخفيف العقوبات الغربية العام الماضى، إضافة إلى محدودية القوة الشرائية وصغر حجم سوقها مقارنة بمنتجين كبار مثل دول الخليج.
وعلى الرغم من هذا التحول الملفت فى العلاقات الثنائية بين البلدين إلا أن حذر خبراء من أن استمرار هذا الاعتماد قد يعرض قطاع الطاقة السورى لمخاطر عديدة فى حال عودة العقوبات الغربية، خاصة إذا تدهورت علاقات موسكو مع واشنطن أكثر، وتعثرت أى تسوية محتملة بشأن أوكرانيا، كما أفادت مصادر سوريا بأن الحكومة تحاول البحث عن بدائل وتنويع مصادر آلامداد، إلا أن هذه المساعى لم تثمر حتى الآن، بما فى ذلك مفاوضات غير مكتملة مع تركيا لعقد صفقة نفطية.
ورصد العديد من الشركات المتخصصة فى تحليلات الشحن أن معظم تجارة النفط الروسية مع سوريا تمر عبر أسطول من الناقلات المرتبطة بشبكات روسية، وتصنف هذه السفن ضمن فئة «عالية المخاطر» أو الخاضعة لعقوبات دولية، وترفع هذه الناقلات أعلام دول متعددة منها بنما وليبيريا وجزر مارشال وجزر القمر وسلطنة عمان، وتنفذ عمليات نقل من سفينة إلى أخرى فى مناطق قريبة من اليونان وقبرص ومصر، بهدف إخفاء المصدر الأصلى للشحنات والالتفاف على القيود المفروضة، لأن بعض من هذة الناقلات خاضعة لعقوبات أمريكية وأوروبية.
وعلى الرغم من استعادة الحكومة السيطرة على حقول النفط فى شرق البلاد، لا يتجاوز الإنتاج المحلى عشرات آلاف البراميل يومياً، فى حين تقدر الاحتياجات الفعلية بين 120 و150 ألف برميل يومياً من النفط والوقود، وتستكمل جزئياً بكميات تهرّب من لبنان، وبذلك تسد الشحنات الروسية نحو ثلث الطلب المحلى.
ويستفيد الجانب السورى من خصومات على الأسعار فى عقود أبرمت قبل صدمة الأسعار الناجمة عن الحرب فى إيران، فيما تتجنب السلطات السورية الإفصاح عن مصدر غالبية الشحنات فى وسائل الإعلام الرسمية، باستثناء شحنة سعودية قدمت كمنحة فى نوفمبر الماضى، مما يعكس حساسية سياسية وشعبية حيال الدور الروسى.
ويمنح تدفق النفط موسكو ورقة تأثير إضافية فى سوريا، حيث تحتفظ بقاعدتين عسكريتين بحريتين وجويتين، وهو ملف تقول مصادر دبلوماسية إنه يحضر بقوة فى حوارات دمشق مع العواصم الغربية، فى وقت تتواصل فيه الدعوات آلامريكية لطرد القوات الروسية من المنطقة.
وأخيراً على الرغم من محاولات سوريا استعادة مصداقيتها التجارية فى المحافل الدولية، تجد نفسها أمام معادلة معقدة ما بين تأمين احتياجاتها الملحة من الطاقة فى مقابل احتمالية إبقائها فى فلك النفوذ الروسى، مع ما يحمله ذلك من تبعات على علاقاتها مع الغرب ومسار إعادة الإعمار.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض