رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كبسولة فلسفية

هناك لحظة صامتة لا نعلنها لأحد، لحظة نقف فيها أمام مرآة داخلية لا يراها سوانا؛ مرآة تعكس صورتين معًا: من كنّا، ومن نريد أن نكون. وبين الصورتين مساحة مربكة نحاول عبورها كل يوم دون أن ننجح بالكامل. تلك اللحظة، يا صديقي، هي التي تصنع الإنسان، لأن الانتقال من نسخة عرفناها جيدًا إلى نسخة ما زالت غامضة هو أصعب رحلة نخوضها دون أن نتحرك خطوة واحدة.

نحن نكبر، نعم، لكننا لا نتحول بسهولة. فالماضي لا يتركنا ببساطة؛ يلاحقنا بعادات قديمة، بردود أفعال ورثناها من تجارب لم نتجاوزها، وبخوف خفي من التغيير مهما ادعينا الشجاعة. وفي الوقت نفسه، يلوّح لنا المستقبل بوعود لا نعرف كيف نصل إليها، كأن الطريق بين النسختين طريق غير ممهد، علينا أن نحفره بأيدينا، يا عزيزي.

والصعوبة ليست في التغيير نفسه، بل في مواجهة تلك المنطقة الرمادية التي لا نشعر فيها أننا ننتمي إلى أي طرف. لم نعد كما كنّا، ولم نصبح ما نريد. نصحو بأحلام جديدة، ثم نتصرف بعادات قديمة. نخطط كأشخاص أقوى، ثم نتردد كأشخاص لم يتعلموا بعد. هذا التناقض هو معركتنا الحقيقية، المعركة التي لا يشاهدها أحد، لكن نتائجها تظهر في كل اختيار، وكل خطوة، وكل صمت نتخذه بدل الكلام.

ومع ذلك، فإن هذه المساحة المربكة ليست لعنتنا... بل خلاصنا. لأن الإنسان لا يتغير في يوم واحد، بل في تلك اللحظات الصغيرة التي يضع فيها قدمًا خارج نفسه القديمة، حتى لو عاد بعدها خطوة إلى الوراء. المهم أن هناك حركة، وأن هناك رغبة تقاوم الثبات. والرغبة وحدها، صديقي القارئ، بداية الطريق.

ولكي نعبر من ما كنّا إلى ما نريد، علينا أولًا أن نعترف بأن كل خوف نحمله له سبب، وكل تردد يخفي وراءه درسًا. فالتغيير لا يبدأ بالشجاعة فقط، بل بالرحمة تجاه أنفسنا. بالقدرة على تقبل أننا نتعثر، وأن نسختنا القادمة تنتظر صبرًا أطول مما تخيلنا. التغيير الحقيقي هو أن نسمح لأنفسنا بأن نكون نسخة قيد الصنع، لا كاملة، ولا ثابتة، لكنها حيّة وقادرة على النمو.

وفي النهاية، ليس المطلوب أن نصل بسرعة، ولا أن نغادر كل ما كنّا دفعة واحدة. المطلوب فقط أن نستمر في السير، ولو بخطوة واحدة كل يوم. لأن الإنسان لا يُقاس بما هو عليه الآن، بل بما يحاول أن يكونه.

هكذا نصنع عبورنا الصعب بين الصورتين: بخوفٍ نعترف به، ورغبةٍ لا نتخلى عنها، وخطواتٍ صغيرة تفتح الطريق لما ينتظرنا. وربما أعظم انتصار في الحياة... أن تصبح يومًا الشخص الذي كان قلبك يحلم به سرًا. لكن قبل أن تصل إليه، ستحتاج أولًا إلى سؤال أكثر قسوة: هل تعرف نفسك حقًا؟ اترك هذا السؤال يلاحقك هذا الأسبوع... ففي الكبسولة الفلسفية القادمة السبت المقبل، سنكسر المرآة معًا لنبدأ الحقيقة.

 

بقلم/ محمد جادالله

كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط

[email protected]