رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

اتجــاه

من بين ما صدم العالم كله، من كوارث العدوان الأمريكى- الإسرائيلى، على جمهورية إيران الإسلامية شيئان، ما كان أحد يتصور أيا منهما على الإطلاق .. الشيء الأول: تطاير قناع الرئيس، دونالد ترامب، عن حقيقته الفوضوية والمتناقضة على الدوام، وحضوره السياسى العبثى، عكس ما كانت عليه صورته وتصرفاته، طوال السنوات الـ4 لولايته الأولى،2017- 2020.. والشيء الثانى: الإذلال المهين الذى جلبه «ترامب» لبلاده، الولايات المتحدة الأمريكية، وانهيار سمعتها فى أرجاء الدنيا، ليس على المستوى الأخلاقى وحسب، وإنما ما يقول مراقبون وخبراء العسكرية، إنه ورطة عميقة، فى حرب من دون مبرر ولا سبب، أو حتى استراتيجية تهيئ مسارا للانسحاب.. ما معناه «الهزيمة».

إنها النتيجة لرجل متهور وغير مرَكِز فى كلامه، باعتبار أنه- ترامب- من أكثر الرؤساء الأمريكيين إثارة للجدل، ليس فقط بسبب مواقفه المتناقضة، لكن بسبب طريقته فى التعبير عنها، طالما يتحدث كثيرا ولا يتوقف، إلى أن تحولت تصريحاته، إلى حالة عامة للتندر والسخرية، تزايدت مع العدوان على إيران، فى 28 فبراير، ولم تنتهِ إلى الآن، واكتسبت حدة «خطيرة» جدًّا، فى اتجاه ملفات إيرانية معقدة، السلاح النووى والصواريخ الباليستية ومضيق هرمز، وفى الطبيعى من متابعتها، يُلاحَظ فيها التناقضات الصارخة، بين اليوم والآخر، وربما بين تصريح وآخر، فى اليوم نفسه، أو حتى فى ساحة الكلام نفسها، ما يمكن اعتبارها نوعا من الارتباك، أو أنه - ترامب - لا يخجل من الهذيان.

الدلائل هنا تأتى من بين كلامه، مرة تلو المرة، يظهر الرئيس «ترامب»، يهدد ويتوعد القادة الإيرانيين، ثم لا يلبث أن ينقلب على نفسه، ويتحدث عن التفاوض، وقبل أن يسكت ويغادر، يُغيِر سلوكه، ليوحى بأنه غير مهتم أو منشغل بمسار الحرب، وهو ما يعكس تأثيرا وضعفا لمصداقيته كرئيس، فى أى موقف ينتج عنه تصريحات، ما يثير الشكوك، حول ما إذا تعامل قادة العالم معها على محمل الجد، طالما تتغير وتتناقض فى الوقت نفسه، وبالتالى تكون أقرب إلى ضجيج أو «ثرثرة سياسية»، تفقد قيمتها وأبعادها، ما قد يرى سياسيون، أن صمته - ترامب - لو حدث، يكون أكثر تعبيرا من كلامه، لأنه لو يسكت، ربما يهيئ لتفسيرات وتأويلات عقلانية، على غير ما يكرره من تصريحات.

من الرائع، ذلك الطابع الكوميدى الذى يتبناه الرئيس «ترامب»، سواء كان بلغة اللسان، أو كان بلغة الجسد، والأكثر كوميديا وإضحاكا، عندما يجمع بين اللغتين- اللسان والجسد، فى كلامه المُحيِر والمتناقض، حين يستدعى ملفات أو قضايا ذات حساسيات دولية، وحتى إن كانت محلية تخص بلده، يتحدث عنها بأسلوب غير دقيق ومبالغ فيه، الأمر الذى يصبح من الصعوبة، التمييز ما بين الجد والهزل، ولذلك، ما من لوم على الإطلاق، على من يتعاملون حول العالم، مع غالبية ما يقوله، على أنها مادة ساخرة، لا تصلح لأن تكون مواقف سياسية، وهنا، العالم بصدد سلوك خطير، لم تشهده العلاقات الدولية، بهذه الصورة والحدة، إلا مع هذا الرئيس، الذى فقد هيبته..وهيبه أمريكا للأبد.

الإشكالية الخطيرة مع هذا الـ«ترامب»، أنه انقلب على برنامجه الانتخابى، من وعده بوقف الحروب حول العالم، إلى من يشعلها هو، كما فى فنزويلا وإيران، وتهديدات كوبا وكولومبيا.. إلخ، وجاء بإدارة من عديمى الخبرة، يرددون- مثل ببغاوات- ما يخترع و«يحتكر» من تصريحات، وهذه التركيبة الأمريكية، ليست هى ما يحتاج العالم إليها، كونها غير «خبيرة»، لصياغة خطابات سياسية متزنة، للتعامل مع قضايا معقدة، مثل العلاقة مع إيران، وتلزمها الدقة فى التعبير والرؤية، وليست التصريحات المرتجلة والمتناقضة، التى تذهب إلى مزيد من التوتر وسوء الفهم، ويا لها من مفارقة، تكمن فى أن الصمت- الذى ينظر إليه أحينا كضعف- قد يكون فى حالة «ترامب»، مؤشرا على الواقعية والحكمة، تحفظ له ما تبقى من مصداقية، وترفع عن بلده «أمريكا»، حرج الإذلال فى إيران.

 

[email protected]