رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

معاناة بلا أرقام.. كيف يعيش المواطن واقعًا لا تعكسه الإحصاءات؟

بعد 6 سنوات من الغياب.. أين تقرير الفقر في مصر؟

 حسام الغايش خبير
حسام الغايش خبير أسواق المال

شهد الشارع المصري تزايد للتحديات الاقتصادية والضغوط المعيشية، الأمر الذي غير في المستويات الاجتماعية المختلفة، وبسبب تزايد حالة التقشف المادي برز ملف الفقر كأحد أكثر القضايا إلحاحًا على طاولة النقاش العام، خاصة مع تأخر إعلان أحدث بياناته الرسمية، وقد أعادت مناقشات اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب هذا الملف إلى الواجهة، في ضوء تساؤلات برلمانية حول أسباب غياب البيانات المحدثة، وتأثير ذلك على كفاءة السياسات الاجتماعية ودقة التخطيط القائم على الأدلة. 

 

وبين تأكيدات حكومية بانتهاء إعداد التقرير ودخوله مرحلة المراجعة الفنية، وتحفظات برلمانية على فجوة البيانات، تتصاعد الحاجة إلى شفافية أكبر وتحديث دوري للمؤشرات، بما يعكس الواقع الحقيقي ويدعم اتخاذ قرارات أكثر فاعلية.

 

ومن هنا تحدث حسام الغايش، خبير أسواق المال ودراسات الجدوى الاقتصادية، قائلًا:"تمثل البيانات الإحصائية الدورية، ولا سيما تلك المتعلقة بمعدلات الفقر ومستويات المعيشة، البوصلة الأساسية التي توجه دفة الاقتصاد الوطني وتحدد ملامح السياسات الاجتماعية، وإن تأخر إعلان هذه البيانات لأكثر من ست سنوات يطرح تساؤلات جوهرية حول شفافية الجهاز الإحصائي وقدرة الدولة على مواكبة التحولات الاقتصادية العميقة التي شهدتها البلاد، ومع تزايد الضغوط الاقتصادية، بات من الواضح أن غياب هذه المؤشرات ليس مجرد خلل فني أو إداري، بل هو عقبة أمام التخطيط التنموي السليم وممارسة الدور الرقابي البرلماني، كما إن الاعتماد على أرقام عفا عليها الزمن في ظل موجات التضخم المتلاحقة يعد بمثابة سريان في اتجاه معاكس للواقع، مما يفرغ برامج الحماية الاجتماعية من فاعليتها ويجعل من اتخاذ القرارات الاقتصادية عملية أقرب إلى التخمين منها إلى العلم.

 

وأشار "الغايش"، إلى أن السنوات الست الماضية، شهدت تقلبات اقتصادية عنيفة، بدءاً من تحرير سعر الصرف وصولاً إلى ارتفاعات قياسية في معدلات التضخم التي التهمت القوة الشرائية لملايين الأسر، كما إن الاستمرار في الاستناد إلى بيانات قديمة يغيب عن صانع القرار الصورة الحقيقية لاتساع رقعة الفقر، ويدفع نحو توجيه الدعم إلى غير مستحقيه أو تقليصه عن الفئات التي باتت بالفعل تحت خط الفقر، هذا الانفصال عن الواقع الاجتماعي لا يؤثر فقط على الفئات الأكثر احتياجاً، بل يمتد أثره ليشمل استراتيجيات التنمية الشاملة التي تستهدف تحسين جودة الحياة، حيث تصبح الخطط والبرامج قائمة على فرضيات أرقام لم تعد تعبر عن طبيعة التحديات الراهنة.

 

كما أن الدور الرقابي للبرلمان يعتمد بشكل أساسي على البيانات المتاحة التي توفرها أجهزة الدولة؛ ففي غياب تقارير دقيقة ومحدثة، يجد المشرعون أنفسهم في موقف العاجز عن المحاسبة التنفيذية أو تقديم بدائل واقعية قائمة على أدلة صلبة، إن إمهال البرلمان لوزارة التخطيط مدة لإتاحة تقرير الفقر يعكس محاولة لاستعادة السيطرة على المعلومات الضرورية للممارسة الديمقراطية، فعندما تُحجب البيانات، تضعف القدرة البرلمانية على تقييم الموازنات العامة، ومراجعة كفاءة الإنفاق الاجتماعي، والتأكد من وصول الدعم لمستحقيه، إن التعتيم على مؤشرات الفقر يتحول من مجرد ممارسة بيروقراطية إلى أداة تضعف الرقابة البرلمانية، مما يفتح الباب أمام تضخم الانفاق غير الموجه أو فشل البرامج الحكومية في تحقيق أهدافها الاجتماعية المعلنة.

ولفت إلى إن غياب الشفافية في عرض البيانات الاقتصادية والاجتماعية يغذي حالة من عدم اليقين داخل الشارع، خاصة في ظل تقاطع الظروف الاقتصادية الصعبة مع غياب المعلومة الرسمية. فالتوقعات بزيادة نسب الفقر باتت منطقية في ظل المتغيرات الأخيرة، غير أن غياب التأكيد الرسمي أو نفي هذه الأرقام يزيد من حدة الضبابية ويقلل من مصداقية الخطاب الاقتصادي الرسمي، كما إن انعكاس ذلك على خطط التنمية يبدو جليا في التخبط الذي قد يصيب مشاريع التمكين الاقتصادي أو برامج الحماية الاجتماعية التي تعتمد على بيانات ديموغرافية واقتصادية دقيقة، وبدون تحديث هذه المؤشرات، تظل برامج العدالة الاجتماعية حبراً على ورق، حيث يتم توزيع الموارد بناءً على خرائط قديمة لا تعكس التوزيع الجغرافي والطبقي الجديد للفقراء.

 

وأكد على إن الطريق نحو تعزيز الشفافية يبدأ من إرساء قاعدة قانونية ومؤسسية تفرض دورية إعلان البيانات الاقتصادية والاجتماعية دون انتظار لظروف سياسية أو ضغوط برلمانية، كما يجب أن تتحول هذه التقارير إلى استحقاق دستوري يتم الإفصاح عنه في مواعيد محددة ومعروفة للرأي العام، وهو ما سيعزز الثقة بين المواطن وأجهزة الدولة ويسمح للمجتمع الأكاديمي والمدني بالمشاركة في تقييم السياسات العامة، وإن إتاحة البيانات ليست منحة ، بل هي حق أصيل للمجتمع، تضمن له المشاركة الواعية في عملية التنمية، ولتحقيق ذلك، يجب تحديث آليات جمع البيانات والاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي والربط الشبكي لتحليل واقع الفقر بشكل لحظي ومستمر، بدلاً من الانتظار لسنوات لإصدار مسوحات أسرية قد تكون أرقامها قد فقدت صلاحيتها بمجرد صدورها، إن الشفافية هي الضمانة الوحيدة لضمان أن تبقى برامج الحماية الاجتماعية فعالة، وأن تظل جهود الدولة في مواجهة الفقر متصلة بالواقع الذي يعيشه المواطن يوميا.