رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

قبل نحو أربعة عقود، وكنت وقتها شابًا أخوض بحماسة دهاليز صاحبة الجلالة الصحافة، التقيت الروائي والمفكر السعودي الكبير عبد الرحمن منيف، ودار بيننا حديث، بدأ بسؤالي له عما كان تأثر في خماسيته الروائية "مدن الملح" بثلاثية أمير الرواية نجيب محفوظ، فتمعن فيّ قليلًا ثم قال: التأثر والتأثير موجود لدي كل الأدباء، لكنه لا يعنى تطابق الأسلوب والفكرة والرؤية والهدف، فمحفوظ في الثلاثية أرخ لفترة من تاريخ مصر، فترة لم تشهد تغيرًا كبيرًا مفاجئًا في القيم والعادات والتقاليد والثقافة، فيما مدن الملح على النقيض، قدمت صورًا لتغيرات كبيرة حدثت في مدة وجيزة، وأرخت لانتقال سريع لمجتمع بدوي بسيط من مجتمع محافظ محدود الطلبات، إلى مجتمع مترف يعيش حضارة استهلاكية، نسى معها الكثير من قيمه، واستورد قيمًا جديدة وثقافة لا تناسبه، بل قد تتعارض مع ثقافته الأصيلة.

والذي جعلني اتذكر هذا اللقاء مع منيف، هو ما أراه اليوم من تسابق على إنشاء مدن منفصلة عن محيطها الإنساني، محاطة بأسوار شاهقة، تتكلف آلاف المليارات من الجنيهات، تخدمها شبكة مواصلات سريعة وحديثة، تكلفت أيضًا مليارات عدة، وهي مليارات لو وجهت لإنشاء مصانع أو استصلاح أراض، أو تطوير القطاعات الانتاجية الموجودة، لأصلحنا واقعنا الاقتصادي عبر زيادة الصادرات وخفض الواردات، ولأمكن تسديد ديوننا أو خفضها بنسبة مرضية، وأوجد فرص عمل دائمة وليس وقتية للشباب الباحث عن عمل، والأكثر مدعاة للتعجب أنه برغم ما أنفق على هذه المدن من مال، فأنها تنفرك وتحس كلما اقتربت منها أنك تبتعد أكثر، وقد تبدو لوهلة للرائي جميلة، جذابة بطرقها المرصوفة الواسعة وحدائقها الغناء ومبانيها شاهقة الإرتفاع، لكنه ما أن يدخلها ويقيم فيها حتى يدرك مدى القبح والوحشة، التي تحاصر ساكنيها في كمبونداتها المغلقة وأبراجها الزجاجية العالية، فهي كخضراء الدمن في المنبت السوء، ولهذا نراها شبه خالية من المصريين، لا يسكنها سوى الغُرب الذين لا أحد لهم، أو مَنْ لا يريدون الاختلاط بمواطنيهم، أو مجتمع "هاي لايف" لا يتمتع بدفء العلاقات، التي يحياها ساكن مدن مصر العتيقة، حيث لا يشعر المرء بالوحدة والغربة، فالصداقة بها تبني في لحظات، وروح المودة تحكم النفوس، على عكس المدن الأسمنتية الخالية من كل روح مودة، أو حضارة أو تاريخ، فالمال لا يصنع عبق الحضارة وجمال الروح.

وإذا كان عبدارحمن منيف في "مدن الملح" قد شبه المدن التي تنشأ فجأة لتراكم الثروة النفطية، دون أن يعززها تراكم تاريخي أو ثقافي أو حضاري حقيقي، بأنها كـ "الملح"، تصنع فقاعة ثم تذوب، فكذلك "مدن الأسمنت" قد تصبح طفرة لكنها لن تدوم، فأسوارها لن تحميها من غوائل الزمن، فهي كالفقاعة أو سحابة مرت فوق البلاد، لم ولن تستطيع أن تكسب قلبًا واحدًا، مثلما فعلت مدننا العريقة: القاهرة والإسكندرية والأقصر، وبورسعيد والإسماعيلية ومرسي مطروح ورأس البر والعريش، ولن تحل محلها أبدًا.  

والأخطر الآثار النفسية التي تكرسها مدن الأسمنت، إذ أنها تشعل نيران الحقد الطبقي بين أبناء الشعب الواحد، وتقتل روح المواطنة لدي الشباب، حين يرى فئة قليلة تنعم بحياة مترفة بلا حدود، فيما هو عاجز عن تلبية أدنى متطلبات حياته، مما يزيده قهرًا وحقدًا، بخاصة مع اضمحلال دور الطبقة الوسطى، التي كانت دومًا رمانة الميزان وعنوان الوطنية والتنمية، تغذي حب الوطن في النفوس، عبر كتابات قادة فكر أصلاء من أبنائها، تربعوا على عرش الفكر والتنوير والأدب والثقاقة لعقود، إلى أن جار عليها الزمن، وأصابها الضنك وشظف العيش فتهاوى دورها التنويري، وحل مثقفو الحظيرة محل رواد الفكر المحنكين، فكانوا شرًا على البلاد والعباد بفكرهم المرقط، الذي لا يعبر عن الشعب المصري. 

إن ترافق تأسس المدن الأسمنية مع اضمحلال دور الطبقة المتوسطة، جرس إنذار لمقدمات نفسية واجتماعية خطيرة يمر بها المجتمع المصري، مقدمات تنذر بتغير قيم المجتمع، فالأسوار العالية سوف توجد قيمًا جديدة تتحكم في توجهات الشباب، تفرز جيلًا متذمرًا يرفض واقعًا فرض عليه، أو مكتئبًا منعزلًا ينكفئ على ذاته، وينأي بها بعيدًا عن واقع لا يملك منه فكاكًا، وقد لا نشعر اليوم بتأثير كبير لهذا، لكنه غدًا قد يتحول إلى كابوس نحياه حين يصير المال هدفًا، تتوارى معه القيم والأخلاق والمواطنة.

  • داليا زيادة:

لا أدري لماذا صمت الدولة المصرية على ما تمارسه المدعوة داليا زيادة من خيانة سافرة، بالانحياز الكامل للكيان العنصري في فلسطين المحتلة، وتأييدها المطلق لجرائم التطهير العرقي، التي يرتكبها في غزة ولبنان جيش الاحتلال، ووصفها المقاومة بالإرهاب، وأخيرًا تجاوزها في حق الدولة المصرية، بإلصاق التهمة المعلبة "العداء للسامية" بها.

إن أمثال داليا زيادة كالسرطان، لابد من استئصاله قبل أن يتفشى في المناطق السليمة من الجسد، ولهذا آمل أن يتم إسقاط الجنسية عنها، فلا تستحق بائعة وطنها أن تحمل جنسيته، كما لابد من وضعها على قوائم ترقب الوصول، لمحاكتها على ما ارتكبت في حق مصر وجيشها من جرائم.

  • اللاجئون والمتسللون:

كثرت مؤخرًا الأصوات المنادية بترحيل مقيمين غير مصريين، لجرائم واعتداءات ارتكبها بعضهم، وأيضًا لأن وجودهم رفع أسعار متطلبات الحياة من السلع الغذائية وإيجارات الشقق، لكون الشقة الواحدة تقيم فيها أسرتان أو ثلاثة تتشارك في دفع الإيجار، وأصحاب هذه الأصوات لم يفرقوا بين لاجئ ومتسلل، فاللاجئ دخل البلاد بصفة مشروعة ويتمتع بحماية دولية، ويلتزم بالقوانين المصرية ولا يتسبب في مشكلات، لأن بياناته مسجلة ومن السهل الوصول إليه، فيما المتسلل دخل البلاد خلسة بطريقة غير مشروعة، ولا توجد غالبًا بيانات مسجلة عنه لأن إقامته غير نظامية، وهذا هو الخطر على البلاد، فقد يكون بينهم مخربون مندسون، وهؤلاء يستحقون الضبط والترحيل.

الغريب أن الاحتجاجات على وجود الأجانب تقتصر على الأفارقة منهم، ولم يتنبه أحد للوجود الأوروبي المكثف بالغردقة، وامتلاك الروس والأوكرانيين والألمان وجنسيات أخرى وحدات سكنية في مناطق مختلفة منها، وبعضهم أقام مشروعات صغيرة ومدارس لأولادهم، ووطن نفسه على إقامة دائمة في مدينتنا الساحلية الجميلة.