المال مقابل التنبؤ الصحيح.. فكرة تُرعب الحكومات ويدمن عليها الملايين
في عام 2024، تجاوزت منصة Polymarket حجم تداولات بمليار دولار خلال أسابيع قليلة من الانتخابات الأمريكية، لم يكن هذا مجرد رقم لافت، بل كان إشارة واضحة إلى أن ما كان يُعد مجرد تجربة فكرية على هامش الإنترنت بدأ يتحول إلى صناعة قائمة بذاتها، تستقطب ملايين المستخدمين وتُغري رؤوس أموال ضخمة، وتطرح في الوقت ذاته أسئلة جوهرية لم تجد إجاباتها بعد.
ما هي منصات التنبؤ تحديداً؟
الفكرة في جوهرها بسيطة، تطرح المنصة سؤالاً عن حدث مستقبلي محدد، هل سيفوز مرشح بعينه في الانتخابات؟ هل ستُعلن شركة ما إفلاسها قبل نهاية العام؟ هل سيحدث زلزال في منطقة معينة خلال الأشهر الستة المقبلة؟ ثم يراهن المشاركون بأموال حقيقية على إجاباتهم، من يُصيب يربح، ومن يُخطئ يخسر.
لكن المنطق الذي تقوم عليه هذه المنصات يتجاوز فكرة الربح والخسارة الفردية. أصحاب هذه الفكرة يستندون إلى مفهوم اقتصادي يُسمى حكمة الحشود، الذي يقول إن السوق التجميعي لآراء أشخاص متعددين لديهم حوافز مالية حقيقية ينتج تنبؤات أدق مما يُقدمه خبير واحد مهما بلغت درجة تخصصه، وهذا ادعاء ليس بلا سند، إذ أظهرت دراسات عدة أن أسواق التنبؤ تفوقت في دقتها على استطلاعات الرأي التقليدية في أكثر من مناسبة.
من يستخدم هذه المنصات ولماذا؟
قاعدة مستخدمي منصات التنبؤ ليست متجانسة، ثمة المحللون السياسيون والاقتصاديون الذين يرون فيها أداة لقياس النبض الحقيقي للرأي العام بعيداً عن التحيزات الإعلامية، وثمة المستثمرون الذين يستخدمونها للتحوط من مخاطر الأحداث الكبرى. وثمة فئة ثالثة ربما هي الأكبر وهم الأشخاص الذين يرون فيها ببساطة طريقة مثيرة لتحويل قناعاتهم إلى عائد مالي.
هذا التنوع في الدوافع هو ما يجعل النقاش حول هذه المنصات معقداً، فهل المحلل الذي يضع مبلغاً على فوز مرشح ما بعد دراسة معمّقة يختلف جوهرياً عن شخص يراهن على نتيجة مباراة كرة قدم؟ الفارق ليس واضحاً دائماً، وهذا بالضبط ما يُقلق المنظمين في كثير من دول العالم.
الخط الرفيع بين التحليل والقمار
هيئة تداول السلع الآجلة الأمريكية CFTC واجهت منصة Polymarket عام 2022 وفرضت عليها غرامة بسبب عمليات غير مرخصة، المنصة نقلت عملياتها لاحقاً خارج الولايات المتحدة، في مشهد يكشف الإشكالية التنظيمية الحقيقية، هذه المنصات لا تنتمي بشكل واضح إلى تصنيف قانوني موجود، فهي ليست بورصة أوراق مالية تقليدية، وليست كازينو مرخصاً، وليست وسيلة إعلامية، بل هي خليط غريب من الثلاثة.
في المقابل، ثمة دول بدأت تتعامل مع هذه المنصات بنظرة مختلفة، بعض الحكومات الأوروبية تدرس إطاراً تنظيمياً يُميّز بين منصات التنبؤ السياسي ذات الطابع التحليلي وتلك ذات الطابع الترفيهي البحت، في محاولة للاستفادة من ظاهرة لا يمكن تجاهلها بدلاً من حظرها.
الذكاء الاصطناعي يدخل على الخط
ما يُضيف طبقة جديدة من التعقيد هو دخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال، بعض المستخدمين باتوا يعتمدون على نماذج لغوية كبيرة لتحليل الأحداث وتوقع نتائجها قبل وضع رهاناتهم، هذا يطرح سؤالاً مشروعاً: هل يظل مفهوم حكمة الحشود صالحاً حين يكون جزء كبير من هؤلاء الحشود يتسلح بنفس الأداة الآلية؟ وهل تتحول المنصة عندئذ إلى سوق تهيمن عليه الخوارزميات أكثر من البشر؟
الإجابة ليست متاحة حتى الآن، لكن المؤكد أن هذا التطور سيُعيد تشكيل طبيعة هذه المنصات بشكل جذري خلال السنوات المقبلة.
هل تصلح هذه المنصات لأسواقنا العربية؟
السؤال يستحق الطرح بجدية، في منطقة يتحفظ كثير من سكانها على المراهنات المالية لأسباب دينية وثقافية، تواجه منصات التنبؤ حاجزاً نفسياً واجتماعياً قبل أن تواجه أي حاجز تنظيمي، غير أن التساؤل يبقى: هل يمكن تصميم نسخة من هذه الفكرة تقوم على نقاط أو تقييمات بدلاً من الأموال الحقيقية، وتُوظَّف لخدمة صنع القرار في مؤسسات أو حكومات؟ بعض التجارب العالمية تقول نعم، وهي تجارب تستحق المتابعة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض