المسرح يعيد تفكيك الحكاية
المجتمع فى قفص الاتهام.. «متولى وشفيقة» تعيد كتابة الموروث الشعبى
«اليمانى»: المسرحية خارج الرواية التقليدية
تمثل السيرة التراثية «شفيقة ومتولى» أحد أهم أشكال الحكى الشعبى فى الصعيد والريف تقوم على الحكى بلهجات مختلفة، تروى بطولة مأساوية طويلة تعكس واقعا اجتماعا لمجتمعات محددة داخل التكوين المصرى، ممزوجة بالخيال الشعبى والمبالغة البطولية لشخصية متولى على حساب شفيقة ضحية الموروثات والعادات والتقاليد والتخلى عن المسئولية تجاهها.
كانت قصة شفيقة ومتولى تروى شفهيا قديما فى المقاهى والمناسبات الشعبية بواسطة الرواة، الذين يُعيدون إنتاج الحكاية وتشكيلها وفقا لرؤيتهم الخاصة والمواقف التى تسود الأجواء، والتى اعتمدت على التكرار والإيقاع والجمل المسجوعة والتفاعل مع الجمهور.
فأصبحت غناء وموروث صوتى لسنوات، مصحوبا بآلات موسيقية، مثل الربابة والطبول، وترتكز فى مناسبات الحزن والفقد والعار الاجتماعى، ليكون محور السيرة الشرف وماهية الشرف فى المجتمعات الصعيدية والريفية والشعبية، وتعكس صراعا بين التقاليد الصارمة والأبوية الذكورية والقرار الفردى والحرية والتمرد فى مواجهة سلطة المجتمع.
ترتكز البطولة الشعبية حول «متولى» الذى يمثل الفارس الشعبى الحامى رمز القوة الذكورية التقليدية المرتبطة بالقبيلة، وتضفى السيرة عمقا إنسانيا بين صراع الحب والسلطة والفرد والمجتمع والحرية والقيود.
ثم انتقلت السيرة إلى السينما والمسرح والدراما التليفزيونية، بسبب طابعها الغنائى الدرامى والصراعات الواضحة فى أحداثها، حيث قدم المخرج الراحل على بدرخان فيلم «شفيقة ومتولى» فى ملحمة سينمائية عام 1978، بطولة سعاد حسنى وأحمد زكى، وكانت رمزية الفيلم تدور حول شفيقة التى تسعى للحرية والتمرد بأنوثة مقهورة، ومتولى الذى يمثل السلطة والحماية والقيم التقليدية، والمجتمع الحاكم بالأخلاق الصارمة.
ويقدم المخرج أمير اليمانى، عرضه المسرحى «متولى وشفيقة» بقاعة زكى طليمات على مسرح الطليعة التابع لوزارة الثقافة فى رؤية مغايرة للرواية التراثية المعروفة، حيث يطرح أسباب تبرئة شفيقة من تحمل الخطأ الكامل، الذى قدمته الروايات السابقة.
من جانبه قال مخرج العمل أمير اليمانى، إنه يقدم مسرحية «متولى وشفيقة» عبر رؤية مغايرة لفكرة الموروث الشعبى التى تقدم من وجهة نظر ذكورية بحتة، حتى أن سماع الموال الخاص بشفيقة ومتولى لا يذكر لماذا أخطأت شفيقة؟، وما الأسباب التى دفعتها لذلك؟.
وتساءل «اليمانى» لماذا لم يحاول أحد من الذين قدموا القصة التراثية فى قوالب درامية مختلفة سواء سينما أو مسرح أن يكشف أن شفيقة مجنى عليها، وأن دياب قد يكون اغتصبها تحت تأثير الحب أو جنون الشباب أو الحاجة إلى السند والمشاعر، وهذا الأمر يحدث حتى الآن، فهناك العديد من النساء يتم اغتصابهن فكريًا وعاطفيًا قبل أن يسلمن أجسادهن، وفى لحظة ضعف يصدقن ويسلمن أنفسهن، وفى النهاية يكتشفن أن الحب ما هو إلا سراب وخديعة من شيطان.
ويؤكد أنه وضع احتمالا واردا أن تكون شفيقة قد تعرضت للخديعة حتى فى العرض المسرحى، خاصة أن هناك بعض الجملة فى السيرة التراثية يقولها متولى: «كنتى منى جوه عشك واقفلى بابك فى وش ضباع السكك»، فتقول: «شفيقة عاشت عمرها كله قافله عليها الباب ومحيلتهاش منه غير شراعة بتطل على اللى بيدور براها، كنت عينى لحد ما راح منى نظرى وهملتنى فى ليل كحيل لا عارفة أميز فيه بين حلال وحرام، ولما ادنست وهشمت توبى هجيت»، فيرد: «سلمتيه توبك»، فتقول: «شفيقة مخبراش عن العشق غير اللى ودانها سمعته».
ويتابع «اليمانى»: إذن هى لا تعرف شيئًا، لأنه هو من قام على تربيتها وظل يراعيها حتى أصبحت شابة ثم ذهب للجهادية بدون أن يؤهلها للتعامل مع المجتمع، كان يدللها لأنه كان بالنسبة لها أبا قبل الأخ، بالغ فى تدليلها، ولكنه دون أن يعلمها كيف تواجه المجتمع، إذن يقع عليه جزء من المسؤولية، لكن لا أنفى خطأ شفيقة ولكن القتل من المستحيل يكون عقابا لها.
ويؤكد أن المجتمع جعل نفسه حاكما وجلادا دون أن يدين متولى، بينما العرض المسرحى يدينه كشريك فى الخطأ وإحساس أنه إنسان قتل أخته بيده، وهو ما يجعله غير قادر على العيش بصورة طبيعية، لذا حبسه فى نهاية العرض داخل الجدران مع أخته شفيقة.
وطلب بعدم التسليم بالموروث دون مساءلته ويدعو إلى إعادة قراءته برؤى مختلفة حتى تتجلى جوانب الحقيقة بشكل موضوعى، مؤكدا أنه لا يبرر خطأ البطلة، متمنيا مواصلة عرض المسرحية بمختلف أنحاء الصعيد.
ويرى الناقد الفنى أحمد سعد الدين، أن مسرح القطاع العام يتبنى خلال الفترة الراهنة تقديم أعمال مسرحية تراثية مثل «متولى وشفيقة» و«أداجيو» و«الملك لير» التى تشهد إقبالا كبيرا من الجماهير ويرى فيها كثيرون متنفسا فنيا.
وشهد مسرح الطليعة بالعتبة عرض «متولى وشفيقة»، من إنتاج فرقة مسرح الطليعة بقيادة المخرج سامح بسيونى، وتأليف محمد على إبراهيم، وإخراج أمير اليمانى، وبطولة نخبة من الفنانين الشباب.
وقد استقبل العرض عددا كبيرا من الفنانين والمبدعين والنقاد خلال الأسبوع، فى حضور لافت يعكس اهتماما فنيا وجماهيريا بالعمل، ويقدم العرض القصة الشهيرة «شفيقة ومتولى» من وجهة نظر «متولى»، الذى يروى الأحداث، كاشفاً أنه كان يعد «شفيقة» ابنته أكثر من كونها شقيقته، وتتطور الأحداث مع وقوعها فى حب «دياب» الذى يغويها انتقاما من متولى، وصولاً إلى النهاية المأساوية، ويطرح العرض معالجة مغايرة للفيلم الشهير «شفيقة ومتولى» (1979) من بطولة سعاد حسنى وأحمد زكى، مقدما رؤية مسرحية معاصرة.
وأوضح سعد الدين أن مسارح الدولة فى الفترة الحالية تشهد عرضين متميزين حققا نجاحا لافتا رغم ضعف الدعاية لهما، ففى السابق، كانت العروض المسرحية تحظى بحملات إعلانية واسعة عبر التلفزيون والصحف، أما اليوم فيؤكد هذا النجاح أن العمل الجيد، القادر على مخاطبة عقل ووجدان المشاهد، يظل قادرا على جذب جمهور متعطش للمسرح.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض