في رحلة صيف مع أصدقائي قضينا ثلاثة أيام بين البحر وحمامات السباحة وشواء اللحم وكعادة الرحلات وثقنا هذه اللحظات الجميلة بالتصوير جميعاًثم عدنا وبعد عودتنا.لم أتذكر أي شئ من تلك اللحظات التي في الأصل هدفها المتعة والتنزه وكسر الروتين اليومي و
الإستجمام وتخفيف الضغط الناتج من العمل والزحام
والحياة عدا الأوقات التي لم أوثقهاكانت هي التي بقيت في ذاكرتي وإكتشفت أن هذه اللحظات فقط كانت بها
الرحلة والهدوءوالمتعة..تصفحت الهاتف والصورالتي التقطتها ودققت النظر فيها وفي الطبيعة بها
فوجدت بداخل كل صورة متعة لم أعشها وأماكن لم أراها رغم جمال الطبيعة فيها.. أدركت وقتها أننا عشنا الرحلة داخل الكاميرا فقط ولم نعشها بالفعل وقضيناالوقت في واقع إفتراضي لأجل التوثيق واللقطه
(هاجس التوثيق و اللقطه)
فرق كبير بين التوثيق وثقافة اللقطة فصناعة اللقطة مع انتشار السوشيال ميديا تحول لحظاتنا الحياتية إلى مشهد مصمم خصيصا للتوثيق والنشر فأصبح بعضنا هدفه اللقطة والتصوير قبل عيش اللحظات نفسها
التوثيق ليس عيبا ولكن الطبيعي فيه هو أن نعيش
اللحظه ثم نقرر ما اذا كانت تستحق التصوير لان الصوره
توثق الذكري. ولا تصنع الذكري من أجل الصوره فلولا الذكري لم تكن الصورة ولكن الواقع الان هو لولا الصوره
لن نصنع الذكري. والتوثيق الطبيعي ليس بالضرورة نشر
ما تم توثيقه ولكن ثقافة اللقطة تجعل النشر هو الهدف
الرئيسي لما نوثقه وبذلك نكون في الحقيقة ممثلين في
مشاهد لتكون الكاميرا مخرج لحياتنا وليست شاهد
عليها. فقبل نزول الأكل في المطعم نخرج التليفون ونبدأ التصوير والنشر ولا يقترب أحد من شئ إلا بعد التصوير وفي المصيف قبل نزول البحر وبمجرد الوصول
نبدأ التصوير وتمثيل المشهد. حتى في المناسبات العائلية يمكنك مراقبة أم في عيد ميلاد طفلها تنسي
الطفل وتجهز اللقطة والصورة ولا يسمح للطفل نفسه
في عيد ميلاده أن يأكل من التورته حتى لا يفسد الصورة
وفي الچيم والعمل والخروجات. المهم هو التصوير والنشر لتصبح الحياة مجرد مشهد يتم تمثيله وبذلك نحن لا نعيش الحياة بل نمثل فيها مشاهد ثم يأتي النشر وعرض الحياة على مواقع التواصل بلا إكتراث لخصوصية أو حتى رأفة ورحمة بمن ليس بمقدورهم أو لا يملكون.
أصبحنا ممثلين وهذه هي الحقيقة التي من الصعب الإعتراف بها ولكن يمكنك أن تتأكد من ذلك إذا كان الطعام ينتظر الكاميرا وإذا كانت ملابسك قبل شراءها
تفكر كيف تكون في الصورة أو إذا كانت جودة الخروجة
مرتبطة بعدد اللايكات والإعجابات وتتأثرنفسيا إذا كان
التفاعل مع مشاهدك ليس المتوقع لتصبح متعتك مرهونة بتفاعلات إفتراضية فتأكد أنك ممثل حياة لست فيها حقيقي وهي مجرد مشهد تقوم به.. غالبا ما يفعل الناس ذلك من أجل أن تكون الحياة تشبة من يقارنون حياتهم معهم فالأمر ليس مجرد حب الظهور ولكنها المقارنة ووهم الكمال ليكون الثمن في النهاية هو حياة
فقط على مواقع التواصل لنصبح في رحلة بأجسادنا فقط ولكن العقل منشغل كيف تكون الصورة والمشهد
ومن الممكن أن تكون الرحلة في مكان لا تحبه ولكن
التصوير فيه هو سبب الذهاب ومن الوارد شراء أشياء
لا تحتاجها ولكنها قابلة للتصوير. إن مثل هذه التصرفات تصنع أصلا علاقات هشة غير حقيقية. هذا جنون لإننا نموت في الواقع من داخلنا لنوثق وننشر
لنعيش داخل الكاميرا. إذن كيف تكون النجاة والتخلص من هذه العادات والفوضى والحياة الكاذبة والخروج من دائرة التمثيل المميت هذه.. أولا يمكن
أن تستعيد السيطرة فتؤجل نشر ما وثقته ليوم واحد
فستكتشف بعد اليوم أن ما تريد نشره للترندات غير مناسب ولا يهم للنشر أصلا وغير صالح أن يراه الناس
ثانيا. حدد أوقات للهاتف ومواقع التواصل وعش الحياة بدون تمثيل أو نشر كل ما وثقته..ولا تنظر ولا تتابع الحسابات التي تجبرك علي مقارنة حياتك بحياة الآخرين
فمن الوارد أن ينشر الناس أشياء غير حقيقية لنقص لديهم لا تلتفت لهذا وكن راضياًعن نفسك وعن حياتك
بكل تفاصيلها.كما هي وإكتشف النعم التي بيدك ويتمني
غيرك الحصول على مثلها ولا يملكها.. لا يصح أن نجعل
حياتنا سيشن تصوير وعرضه للناس. يجب أن تتوقف عن
إزعاج الناس وإطلاعهم على خصوصياتنا ومشاكلنا وكأننا
نعيش بالشارع نأكل وننام ونتشاجر ونتصالح ونستجم
من أجل التصوير والنشر فهي عادات سيئة ومزعجة..
لا يجب أن تكون حياتنا مجرد محتوى ولا مشهد أو مسلسل. وعندما نعيش بهذا المبدأ ستكون النتيجة مفاجئة في كل شئ نعيشه حقيقة بدون لقطة وستكون
متعة الحياة أكثر وخلافاتنا أقل لأنها على الأقل ستكون حقيقية
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض