«الصحة النفسية» الروح المنسية فى برامج الثقافة المصرية
متى تخرج خطط الوزارة من الأدراج لنشر الوعى النفسى؟
أنا على يقينٍ بأن دفاتر المؤسسات الثقافية، وعلى رأسها وزارة الثقافة، حبلى بعشرات البرامج والخطط والدورات التى تُعنى بدور الثقافة فى ترميم الإنسان من الداخل، وفى إعادة الاعتبار للصحة النفسية بوصفها جزءًا من الوعى الجمعى. أفكار تنتظر لحظة ميلادها، ومبادرات لو خرجت إلى النور، لربما غيرت نهايات الحكايات. والسؤال الذى يظل معلقًا: متى ترى هذه الرؤى طريقها إلى الواقع، ومتى تتحول من حبر على ورق إلى نبضٍ حى فى الشارع ومع الإنسان؟ ويبدو أن سوء الأداء وعدم الاهتمام بهذا البرنامج المهم من القائمين على وزارة الثقافة طوال السنوات الماضية لم يحقق الهدف المطلوب.
فلم تعد قضية الصحة النفسية فى مصر موضوعًا هامشيًا يمكن تجاهله، بل أصبحت إحدى القضايا المجتمعية الملحة. فحالات الانتحار الناتجة عن الاكتئاب وانهيار الحالة المعنوية للفرد أصبحت متوالية شبة منتظمة فى المجتمع المصرى.
فقد شهد عام ٢٠٢١ وحده عدة حالات انتحار بلغت ٢٥٨٤ حالة، اغلبهم من الشباب خاصة فى مرحلة الثانوية العامة، وارجعت الجهات المختصة الأسباب إلى العنف الأسرى والابتزاز الإلكترونى وغياب الوازع الدينى والظروف المعيشية.
ومع ذلك، يظل الأمل قائمًا، ففى لحظةٍ ما، بدا أن الدولة انتبهت لهذا الصمت المتراكم، محاولةً أن تفتح نافذةً فى جدارٍ طويل. جاءت مبادرات تحمل أسماءً مفعمة بالأمل، كأنها تريد أن تقول إن الإنسان لا يُقاس فقط بجسده، بل بما يسكن روحه أيضًا. لكن، بين الحلم والتطبيق، دائمًا ما تقف مسافة شاسعة، مسافة تمتلئ بالأوراق والخطط، بينما تفرغ من الأثر الحقيقى فى حياة الناس.
وفى القلب من هذا المشهد، تظل الثقافة ذلك الصوت الذى لم يعطِ قدراته كاملة بعد. فالوعى ليس ترفًا، بل وسيلة نجاة. كان يمكن للأدب أن يكون ملجأً آمنًا، وللندوات أن تكون جسورًا بين الألم والفهم. كان يمكن للقصيدة أن تقول ما يعجز عنه المريض، وللمشهد المسرحى أن يكشف ما نخجل من مواجهته.
ففى مدينةٍ تشبه قلبًا قديمًا، تتراكم فوق جدرانه طبقات من الحكايات، تمشى الصحة النفسية كظلٍ خافتٍ لا يلتفت إليه أحد. ليست غائبة تمامًا، بل حاضرة على استحياء، كفريضةٍ منسية فى كتاب الحياة اليومية، نمر بها سريعًا دون أن نتوقف عند معناها، أو نسأل أنفسنا؛ كيف صار الإنسان، بكل هذا الضجيج حوله، أكثر وحدةً فى داخله؟ وفى مصر، حيث الشوارع لا تنام، وحيث الضحكة جزء من اللغة، تختبئ حكايات كثيرة لا تُروى. وجوه تبدو عادية، تمضى إلى أعمالها، تجلس فى المقاهى، تتبادل النكات، لكنها تحمل فى أعماقها صدوعًا لا تُرى. هناك؛ خلف الضحكة يقيم صمت ثقيل، وحين يعجز هذا الصمت عن الاحتمال، يتحول إلى صرخة… صرخة لا يسمعها أحد إلا بعد فوات الأوان.لم تكن هذه الحكايات طارئة على المجتمع، لكنها كانت دائمًا مؤجلة، كأننا نؤمن أن الألم النفسى رفاهية، أو ضعف، أو حتى عيب يجب ستره. وهكذا، نشأ جيل كامل يتعلم كيف يخفى حزنه، كيف يُهذب ألمه، كيف يبتسم وهو يتآكل من الداخل. جيل يعرف كيف ينجو فى الخارج، لكنه لا يعرف كيف ينجو من نفسه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض