رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

كلمات:

فى حياتنا اليومية أماكن يتوارى فيها المنطق خجلاً، وتطالعنا فى شوارعنا بمشاهد لا نملك أمامها سوى الدهشة الممزوجة بوجع القلب..
مشاهد قد تبدو متناثرة، لكنها فى حقيقتها كاشفة لخلل عميق فى نسيج المجتمع، خلل لا يداويه غض الطرف، ولا تجدى معه محاولات التجميل، أو سياسة النعامة التى تهرب من مصيرها المؤلم بدفن رأسها فى الرمال!
المشهد الأول:
بطله «مدير عام» سابق بالتليفزيون المصرى.. رجل تآكلت سنوات عمره بين الأوراق والقرارات، وعندما دقت ساعة الستين، وجد نفسه وحيداً أمام غول الغلاء، بلا مكافأة تسمن ولا معاش يغنى!.. فماذا فعل؟.. حمل «كرتونة العسلية» وطاف بها الأزقة، يبيع الحلوى ليقتات المرارة!
ومثله زميل له- فى ماسبيرو أيضاً– وصل للدرجة الأولى الممتازة، ولما خرج على المعاش راح هو الآخر يبيع «الفل» للمارة!
فى يقينى أن العمل شرف لا ريب، ولكن حين تضطر «الشيخوخة» المدير العام لبيع العسلية على الأرصفة، فلنا أن نتخيل حال من هم دون درجة المدير العام، وهم بعشرات الملايين.. ومثل هذا الحال إنذار خلل فى ميزان العدل، ودليل عار يجلل هام المجتمع بأسره.. مجتمع عجز عن أن يكفل حياة كريمة لمن يعيشون فى خريف العمر!
المشهد الثانى:
فى موقف ميكروباص «كلية الزراعة»، يمتد مشهد آخر يمزق كل قلب يعى وكل عين تبصر.. هناك، حيث تتزاحم الميكروباصات متجهة إلى قرى ومدن محافظتى القليوبية والشرقية، يتزاحم أيضاً أطفال صغار فروا من جحيم بيوتهم ليصطدموا بقسوة النوم على أرصفة الشوارع.. والكارثة أن الرصيف لم يعد حكراً على الطفولة الضائعة فقط، بل يزاحمهم فيه شباب ضلوا الطريق وشيوخ غلبهم القهر، ففضلوا أن يهيموا على وجوههم فى الشوارع، مرتدين ملابس ممزقة كأنها نسجت من خيوط اليأس والتراب، يقضون يومهم فى سؤال الناس إلحافاً.. فأى بؤس يعيشه هؤلاء وأمثالهم، ويعيشه معهم كل من يمرون عليهم مصبحين!
المشهد الثالث:
حملته رسائل باكية من أمهات وآباء بقرية «كفر طحا» التابعة لمركز شبين القناطر بالقليوبية.. الحديث هنا ليس عن الفقر، بل عن عملية اغتيال.. اغتيال للبراءة.. حيث يتربص تجار السموم بطالبات المدارس الإعدادية، يدسون المخدرات فى الشيكولاتة والمشروبات، ويحاولون ترويجها بين الصغار أمام المدارس فى محاولة شيطانية لتدمير «المستقبل» فى مهده، واستدراج جيل كامل إلى قاع الانحراف.. وإذا لم تتحرك أجهزة الدولة والمجتمع لحماية أسوار مدارسنا، فلا معنى لأى حديث عن تنمية أو إصلاح أو بناء إنسان سوى صالح.
المشهد الأخير: وهو رحيل اللواء كمال مدبولى- أحد أبطال حرب أكتوبر.. حيث كانت جنازته مهيبة تليق بمقاتل عرف معنى التضحية حين يكون الوطن فى خطر.. وكان وداعه بمشاركة رئيس الدولة تعبيراً صادقاً عن وفاء مصر لأبنائها المخلصين الذين جادوا بأرواحهم وشبابهم من أجل ترابها.
ومصر التى تحفظ الجميل لأبطالها فى مشهد الوداع الأخير، وتكرمهم بما يليق بهم.. قادرة بلا شك على أن تحفظ كرامة أبنائها البسطاء فى مشاهد الحياة اليومية.. إذا أعدنا للمنطق اعتباره، وللإنسان قيمته.