أوراق مسافرة
التقيت به فى رواق تلك المؤسسة التى أحببت التعاون معها فى عمل طوعى خيرى خلال فترة تواجدى فى هولندا، هو شاب نصف صينى ونصف هولندى من ناحية الأب، تجاوز الثلاثين من العمر بعام، استوقفنى لإجراء استبيان أخبرنى بأنه ضمن رسالة الدكتوراه التى يعدها حول دور مؤسسات المجتمع المدنى فى مكافحة الفقر وعمل نوع من التوازن بجانب مكافحة الجريمة، لم يكن الموضع غريباً عنى تمامًا بقدر الأسئلة الذكية التى طرحها والتى لا تقل ذكاء عن تلك اللمعة التى تشع من عينيه الصغيرتين وقد منحته والدته الكثير من جيناتها صينية الملامح.
كان من الأسئلة أهمية الشفافية فى فعالية دور مؤسسات المجتمع المدنى، تأثير السلوك والطباع الشخصى للقائمين على العمل بتلك المؤسسات فى إنجاح أعمال خدمة المجتمع، كيفية منح الثقة للأفراد المتعاملين مع هذه المؤسسات فى حصولهم على مساعدات وتوجيهات حقيقية لا تجعلهم فى احتياج دائم للمساعدات وتوجيههم للاعتماد على النفس وإيجاد الطريق السليم الذى يغنيهم عن الحاجة، بل يجعلهم فى المستقبل يقومون بدورهم فى مساعدة الآخرين من المحتاجين، حيث لا يقتصر دور هذا المؤسسات على تقديم «كوبونات» لصرف بعض الأطعمة من بنوك الطعام، ولا الحصول على بعض الملابس المستخدمة من محلات خاصة تعرض هذه الملابس والأدوات المنزلية الأخرى مجانًا لهؤلاء بموجب البطاقات التى تقدمها لهم المؤسسات الخيرية، بل تمتد الخدمات لما هو أهم، عمل دورات تدريبية لهم مجانًا على حرف ومهن تمكنهم من دخول أسواق العمل، تعليمهم اللغة الهولندية أيضا مجانًا بما يفتح أيضًا أمامهم أسواق العمل، مساعدتهم فى حل المشاكل القانونية والأوراق الرسمية العالقة لدى الجهات المعنية من خلال مكاتبات ومراسلات، لأن كل الأمور تدور فى هولندا الكترونيًا وقلما تتم الخدمات من خلال مقابلات شخصية، أيضًا عمل برامج ترفيهية لهم من حفلات ورحلات وتجمعات بتلك المؤسسات للتعارف وتبادل الثقافات مع تقديم الأطعمة والحلوى والشاى والقهوة مجانًا فى إطار يشعرهم بأنهم جزء لا ينفصل عن نسيج المجتمع المتكامل بما يساعدهم على كسر جدران العزلة الاجتماعية وعدم الشعور بالتميز السلبى كونهم فقراء لا يتمتعون بالرفاهية مقارنة بغيرهم من ميسورى الحال.
يضاف إلى ذلك تشكيل مجموعات أيضًا لتنمية الهوايات أو ممارستها مثل الرسم، الحياكة، شغل الإبرة لصناعة الملابس الصوفية يدويًا، صناعة الإكسسوارات والحلى، بجانب ممارسة ألعاب الذكاء مثل الشطرنج وغيرها، بجانب مجموعات أيضاً لتقديم الدعم أو العلاج النفسى من خلال متخصصين فى علم النفس والمجتمع يقدمون خدماتهم طوعًا لهؤلاء، ويتم الإعلان عن الراغبين فى الانضمام لتلك المجموعات بحرية، ولا يتم النظر فى هولندا بالطبع لمن يحتاجون لدعم نفسى على أنهم مجانين، ولا من يحتاجون دعماً اجتماعياً على أن دونيين من طبقة دنيا على الأقل فى تعاملات المتطوعين على الخدمة بتلك المؤسسات، كما توجد مؤسسات أهلية تقدم الخدمات القانونية وتقيم الدعاوى مجانًا لمن لا يمتلكون المال لإقامة أى دعاوى قانونية تتعلق بحقوق مسلوبة منهم.
تطرقنا فى استبيان «تشى يون» وهو اسم الشاب صاحب رسالة الدكتوراه إلى أن هذه المؤسسات التى تحصل على تمويل جزئى من مجالس المدن، بجانب التمويل الرئيسى من أحد رجال الأعمال أو مجموعة من رجال الأعمال أو أصحاب الشركات ورءوس الأموال فى هولندا، ويتم بالطبع خصم مبالغ التبرعات الخيرية من الضرائب المستحقة عليهم.
حاول «تشى يون» بذكائه المتفرد استدراجى للمقارنة بين مؤسسات المجتمع المدنى والمؤسسات الخيرية فى هولندا ونظيرتها فى مصر، الواقع تهربت كثيرًا حتى لأنشر ما لا يجب نشره عن بلدنا رغم اكتشافى أنه يعلم الكثير عن مصر، زارها مرة واحدة مع والديه قبل ستة أعوام، لكنه رأى فيها الكثير الذى جعله لا يحمل منها ذكريات رائعة خاصة تلك المناطق السياحية التى زارها على غرار أهرامات الجيزة، والتى قال حرفياً: "كنا نشعر بأننا مطاردون من البشر هناك وهم يحاولون إجبارنا على شراء سلع لا نريدها وركوب الجمال وغيرها مما لم نكن نريده بجانب طلبهم بعض الأموال منا دون وجه حق"، ما علينا، المهم أننى لم أرد بالفعل طرح مقارنة بين مؤسساتنا الأهلية والخيرية وبين مؤسساتهم، وكلنا يعلم العوار والفساد والنهب التى تعانيه معظم تلك المؤسسات لدينا وعدم تقديمها خدمات حقيقية تنعكس بالفائدة على المجتمع، بل معظمها لخدمة أهداف القائمين عليها بشكل أو بآخر أو اتخاذها كغطاء لغسيل الأموال والتهرب الضريبى.. وللحديث بقية.
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض