البابا في "تركيا".. دبلوماسية "كنسية" واتجاه نحو وحدة "مشرقية"
لم تكن زيارة البابا تواضروس الثاني – بابا الإسكندرية- بطريرك الكرازة المرقسية مؤخرًا للعاصمة التركية "اسطنبول" مجرد زيارة رعوية للبطريرك ضمن أجندة زياراته المعدة مسبقًا، وإنما شملت أبعادًا تجاوزت منحاها الديني، إلى ما يمكن تسميته بـ"الدبلوماسية الكنسية".
ولاقت زيارة البابا الأولى لـ"تركيا" منذ اعتلائه الكرسي البابوي عام 2012 اهتمامًا إعلاميًا دوليًا واسعًا، يتسق مع توقيتها، وأبعادها المتعددة "التاريخي، والكنسي، والدبلوماسي".
وتعيد خطوة بابا الإسكندرية ناحية المشرق للأذهان زيارة البطريرك الراحل البابا شنودة الثالث لـ"تركيا" عام 1972، والتي جاءت على قائمة اهتماماته بعد عام من اعتلائه الكرسي المرقسي، بما يعكس رغبة "كنيسة الإسكندرية" في استمرار التواصل مع نظيرتها بـ"القسطنطينية".
واستهل البابا تواضروس الثاني زيارته بلقاء البطريرك "برثلماوس الأول"- بطريرك القسطنطينية، بمقر البطريركية المسكونية، وهي تعد إحدى المراكز الرمزية في العالم الأرثوذكسي، فيما تناول اللقاء سبل تعزيز العلاقات بين الكنائس الأرثوذكسية، ودعم الحوار المسكوني بين الكنائس الشرقية.
وخلال الزيارة التي استغرقت ثلاثة أيام بالعاصمة التركية، وتأتي في إطار تقارب بين القاهرة، واسطنبول، حرص البابا تواضروس الثاني على إيضاح رغبة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في تعميق الروابط التاريخية مع الكنائس الشقيقة، بما يدعم دور مصر الروحي في العالم المسيحي.
وإبان لقاء البطاركة بمقر البطريركية المسكونية أبرز رأس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ترحيبه بـ"دعوة" البطريرك المسكوني لزيارة "تركيا"، لافتًا إلى أنها رسالة موقعة بالمحبة.
ورغم تأكيده على أنها المرة الأولى التي يزور فيها مقر البطريركية المسكونية، إلا أنه ألمح إلى أنها تعكس امتدادًا لتاريخ طويل متجذر من علاقات المحبة بين الكنيستين، واللتان يمثلان "كرسي القديس مارمرقس الرسول، وكرسي القديس أندراوس الرسول".
حسب نص كلمته قال البابا تواضروس: "جئت إليكم من مصر، ومن كنيسة مصر القبطية الأرثوذكسية، من الأرض التي تباركت بزيارة العائلة المقدسة في القرن الأول الميلادي، من أرض القديس مرقس الرسول الذي استشهد في مدينة الإسكندرية، وعبر العصور حملت الكنيسة القبطية شعلة الإيمان، ونشأ فيها أبطال الإيمان أمثال القديس أثناسيوس الرسولي والقديس كيرلس عمود الدين، كما عُرِفَت بكنيسة الشهداء، وعلى أرضها نشأ القديس أنطونيوس الكبير أب جميع الرهبان، وتأسست الرهبنة، والأديرة منها إلى كل العالم".
وتضمنت تصريحات البطريرك التي عرج خلالها على دور الكنيسة المسكونية في توطيد الوحدة الأرثوذكسية إشارة لا تخل من أثر القوة الناعمة نحو العلاقات التاريخية بين البلدين، والشعبين "المصري، والتركي" اللذين يجمعهما تاريخ طويل من العلاقات الطيبة.
ونحو احتمالية تضمين الزيارة رسائل سياسية غير معلنة عبر القنوات الدينية، دعمًا لحالة التقارب المصرية – التركية، وجه البابا تواضروس الثاني دعوة لنظيره "البطريرك برثلماوس" لزيارة القاهرة، واستطرد قائلًا:" لنصلي معًا، ونخدم معًا، ونشهد معًا أمام عالم ينتظر منا ما هو أعمق من الكلمات".
وشهدت الزيارة استقبالًا رسميًا من ممثلي البعثة الدبلوماسية المصرية، في إشارة إلى التنسيق بين المؤسسات الدينية، والدولة في مثل هذه التحركات الخارجية.
وفي سياق برنامج رعوي مكثف في رحلة البابا التي تتضمن دول "النمسا، وإيطاليا، وكرواتيا" بجانب "تركيا"، رافق البطريرك وفد من الأساقفة، والكهنة ضم كلًا من " الأنبا دانيال مطران المعادي، والأنبا توماس مطران القوصية ومير، والأنبا أنجيلوس أسقف لندن، والراهب القس عمانوئيل المحرقي مدير مكتب البابا، والقس مارك أسعد كاهن الكنيسة القبطية بتركيا"، تأسيسًا لمتابعة أوضاع الأقباط في الدول محل الزيارة، بجانب دعم الكنائس القبطية بالمهجر، وتعزيز التواصل مع الجاليات.
والتقى البطريرك خلال زيارته التي بدأت السبت الماضي أعضاء السينودس المسكوني للحوار بين الأديان، والأقباط بكنيسة ماربولس القبطية الأرثوذكسية، بجانب زيارته مقر القنصلية المصرية بـ"اسطنبول".
وعن زيارة مقر البطريركية المسكونية قال البطريرك برثلماوس: إن زيارة مجيء البابا تواضروس إلى القسطنطينية يتخطى كثيرًا حدود المناسبة الرسمية، إذ يحمل دلالة تاريخية عميقة، كونها الزيارة الأولى، وثمرة مباشرة للقاء الأخوة الذي استضافه البطريرك المصري في سبتمبر 2024 بدير القديس الأنبا بيشوي.
وبما يعكس أثر لقاء البطاركة في تعزيز الوحدة المسيحية، أضاف البطريرك المسكوني" لقرون عديدة، سارت كنيستانا في مسارات متوازية، فرّق بينهما أحيانًا ثقل الظروف التاريخية، وسوء الفهم العقائدي. بيد أنه، عبر الحوار الصادق والصبور، أدركنا من جديد أن ما يجمعنا يفوق بما لا يُقاس ما كان قد يفرّقنا، وقد كشفت الاتفاقيات الكريستولوجية التي توصل إليها الطرفان في العقود الأخيرة عن إيماننا المشترك بسر الكلمة المتجسد، المعبَّر عنه في صياغات لاهوتية متمايزة، غير أنه راسخ الجذور في التقليد الرسولي للكنيسة غير المنقسمة"
وأردف قائلًا: "لقد آن الأوان إذن للانتقال من الاتفاق إلى اللقاء، ومن التقارب اللاهوتي إلى الوئام الروحي. هذه مسؤوليتنا الجماعية. فنحن مدعوون إلى تحويل ثمار الحوار إلى واقع رعوي ملموس، بتنمية التعارف المتبادل والألفة بين أبناء شعبنا، وتشجيع التعاون في الإعلان عن الإيمان، ولا سيما في المناطق التي يعاني فيها المسيحيون الاضطهاد والتهميش، ورفع صوت موحّد في الدفاع عن كرامة الإنسان، وقداسة الخليقة، ومحورية الأسرة، والسعي الحثيث إلى السلام".
ما أسفرت عنه زيارة البابا تواضروس الثاني للعاصمة التركية "اسطنبول" تمثل في تصريحات البطريرك المسكوني بشأن ضرورة تعزيز الروابط بين الكنائس الأرثوذكسية الشرقية، والكنائس الأرثوذكسية المشرقية بوجه عام، وبين الكنيسة القبطية والبطريركية المسكونية بوجه خاص، لافتًا إلى أنها روابط عريقة مقدّسة، جذورها ضاربة في شهادة المسيحيين الأوائل، تتغذى من الإجلال للتراث الآبائي، وتتقدس بدماء الشهداء، ويحييها الإيقاع الليتورجي، والنسكي المشترك، فيما تتجدد اليوم هذه الروابط المقدسة لا بمحو التاريخ، بل بتجاوز الخلافات، والسمو فوق الانقسامات الماضية".
يشار إلى أن برنامج زيارة البابا تواضروس الثاني لـ"تركيا" تضمن زيارة بطريركية القسطنطينية للأرمن الأرثوذكس، والكنيسة السريانية الأرثوذكسية.
وتستمر جولة البابا الخارجية لأكثر من أسبوعين، وتتضمن العديد من الأنشطة الرسمية والرعوية في الدول المقرر زيارتها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض