قضية ورأى
حتى 10 سنوات مضت، كان لدينا 5 ملايين مصاب بفيروس «سي».
كان الفيروس حكما بالإعدام المرضى على حامله، طال الوقت أو قصر.. فلا علاج.
طوال عقود، كانت كل أسرة، ترعى مريضا أجهدته العدوى، والتهمت كبده وأمله فى الحياة والصحة والعافية.
متاجر تبيع بول الإبل وألبانها، ليشربه المريض حتى تتحسن وظائف الكبد وتخف حدة الفيروس.
سلاسل خدمات، تضم بيوت استشفاء صحراوية من سيناء شرقا حتى مطروح غربا، أملا فى العلاج الشعبى، مع ربط «الوصفة» بالطب النبوى.. وبالطبع لاشيء مجانيا.
روابط تجارية تعرض العسل الجبلى والحبة السوداء و»السريس» وعشبة القديس يوحنا، بتخفيضات.. والتوصيل حتى باب المنزل.
كانت أغرب الوصفات « وضع مؤخرة الحمامة على السرة» لعلاج فيروس سى.. بادعاء أن المؤخرة تسحب الفيروس من السرة، ثم تموت الحمامة بفعل انتقال السموم إليها.
والحقيقة أن الجهاز التنفسى للحمام، لم يكن ليتحمل الضغط الشديد عليه من المعالج، كما هو حال مرارتنا الآن مع استذكار هذه الأيام.
كان بعضها طبا شعبيا وبعضها خرافات نلجأ إليها مضطرين، وهو اضطرار كنت أراه مسموحا فى ظل الوباء العنيف الذى يلتهم الأكباد، ولا تجد له البشرية علاجا.
ولم لا وقد أحل الله، للمضطر أن يأكل الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به.
وعلى نطاق واسع تم توظيف الدين، وتفسير المصلحة خصوصا تقديس عسل النحل، رغم أنه ورد فى الآية القرآنية الكريمة فى سورة النحل، على أن فيه «شفاء للناس» بالتنكير مما يدل على التبعيض، أى أن العسل شفاء لبعض الأدواء وليس لكل داء بدنى، بينما لو قيل «الشفاء» بالتعريف لأفادت أنه شفاء لكل داء.
كان المريض يبحث عن نجاة من حكم الإعدام المبكر، ولا مانع من أن يجرب أى شيء حتى لو خرافات.
على الشاطىء الغربى للأطلسى، كان هناك عالم كيميائى متخصص فى علم الفيروسات، اسمه ريموند شينازى، وُلد فى الإسكندرية بمصر عام 1950 لعائلة يهودية، ثم غادرها فى سن صغيرة واستكمل تعليمه فى بريطانيا والولايات المتحدة.
أسهمت أبحاث «شينازي» مع ثلاثة علماء أمريكيان وواحد بريطانى، فى تطوير مضادات الفيروسات ذات المفعول المباشر) التى أدت إلى ابتكار عقار «سوفالدي»، الذى غيّر مسار علاج فيروس سى عالميًا وحقق نسب شفاء غير مسبوقة.
لم يطلب العلماء ولا شركات الأدوية مليارات الدولارات مقابل العقار.. بل فقط مبالغ رمزية، أنقذوا بها ملايين المحكوم عليهم بالإعدام المرضى.
مؤخرا ضج المجتمع بنظام «الطيبات» للدكتور ضياء العوضى، للاستشفاء من السكر والضغط والأمراض المناعية، محذرا من أكل الدجاج، والبط، والرومى، وتناول الحليب، والمخبوزات، المعجنات، والفول، والعدس، وفواكه وخضراوات بعينها.
وفجأة مات العوضى، تاركا هزة «نفسية»، ومغذيا فكرة المؤامرة من جانب شركات الأدوية.. لأن البعض يرفض فكرة أن يموت المعالج بالمرض.
المؤامرة ليست هناك.. بل هنا فى عقولنا وثقافتنا.
شعب أوكيناوا فى اليابان، يطلق عليه الشعب الذى لا يشيخ، ورغم ذلك يتناول لحم الخنزير.
كذلك شعب سردينيا فى إيطاليا يتناول الخمر.. ورغم ذلك هم الأطول عمرا.
لعل الطيبة الوحيدة التى ذكرها «العوضي»، ويتبناها شعب أوكيناوا هى مبدأ عدم الشبع، وهو مبدأ إسلامى :» نحن قوم لانأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لانشبع».
ليتنا نضع الغذاء فى عقولنا بدلا من أفواهنا..
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض